هل يذكر أحد في طول الوطن العربي وعرضه عدد المرات التي تقدمت فيها الدول العربية بشكاوى ضد (إسرائيل) لدى الأمم المتحدة؟ هل يتذكر الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون والمصريون والأردنيون وكافة الدول العربية أعضاء جامعة الدول العربية عدد الشكاوى، التي تجاهلتها الأمم المتحدة وتلك التي استخدمت فيها الولايات المتحدة حق الفيتو ضد أي قرار يمكن أن يتخذ في غير صالح المدعوة (إسرائيل) ؟ أشك ان الذاكرة العربية الشعبية أو الرسمية يمكن أن تتذكر تلك الشكاوى التي امتدت لأكثر من نصف قرن دون نتيجة! لقد كنا نشكو (اسرائيل) للأمم المتحدة, وكنا نخاطب الضمير الإنساني والعالمي, كنا نقول بأن (اسرائيل) تقتلنا بقنابل النابالم المحرمة دوليا, وتصادر أراضينا العربية بغير وجه حق, وتحتل بلادنا وتهجرنا في العراء وإلى المنافي, تسجن شبابنا وتكسر عظام أطفالنا, وتقذفنا بصواريخها وراجماتها كل يوم وأمام سمع العالم وبصره, ولكن لم يتحرك ضمير الإنسانية ولم يرف للعالم جفن, فقد كان الإنسان العربي مشاعا لحقد الصهيونية ومرتعا خصبا لتجريب أسلحتها القاتلة وآلتها العسكرية الرهيبة. في فلسطين جرت مجازر لم يعرفها تاريخ الإنسان, ومع ذلك ظل العالم يتفرج, وكأنه يحق لليهود كل ما فعلوه في عرب فلسطين, وفي لبنان في فترة الاجتياح الاسرائيلي في الثمانينيات تحولت بيروت إلى ساحات قتل علنية وكأنها حلبات مصارعة رومانية بين وحوش وبشر مغلوبين على أمرهم, ووقف العالم يتفرج من جديد, بصمت كالعادة وببرودة أعصاب, بينما كان السفاح (أرييل شارون) وجيشه وعملاؤه يتشفون بالخوض في الدماء العربية المسلمة. ويوم اشتعلت انتفاضة الحجارة في شوارع فلسطين, عملت العصي والبنادق عملها في أجساد الصبية الفلسطينيين وفي عظامهم, وعلى مرأى العالم, وفي كل ذلك لم يتحرك أحد أبدا, بل ظل الجميع يتفرجون ويمصمصون شفاههم لامبالاة وعجزا! هل حدث شيء ما للضمير الإنساني؟ نعم بالتأكيد! فهناك قصور رهيب أصاب حساسية هذا (الضمير) تجاه الجريمة, خاصة حينما يكون المجرم (إسرائيل) والضحية هم المسلمون والعرب! ولم يتساءل أحد طيلة هذه العقود من السنوات: كم دفع الفلسطينيون من شهداء وضحايا؟ وكم دفع المصريون من شهداء ومفقودين؟ وكم دفع المدنيون في لبنان والصامدون في الجنوب اللبناني؟ فالمهم ألا تنجرح مشاعر الاسرائيليين وأن تتوفر لهم مظلة العيش الآمن وسط جيوش العرب الارهابيين والمتخلفين كما تسميهم أمريكا والغرب! اليوم, وبعد هذا التاريخ المليء بالدم والقتل والاجتثاث والعدوان والذي مارسته (إسرائيل) ضد العرب, اليوم تشكونا المدعوة (إسرائيل) للأمم المتحدة! ويا للعجب أو لنقل يا للوقاحة! (إسرائيل) المسالمة والجارة الودودة لا تشكو من قنابلنا وراجماتنا انها تشكو للأمم المتحدة تعرضها للقصف بالزجاجات الفارغة! وكم تبدو (إسرائيل) فارغة كالزجاجات الفارغة؟ وكم تبدو الأمم المتحدة فارغة كالزجاجات الفارغة وهي تحرك دباباتها لحماية (اسرائيل) من قصف الزجاجات الفارغة. إنها الوقاحة التي تحميها الأمم المتحدة بمنطق: إذا أردت أن تعيش محميا في الشرق الأوسط فعليك اما أن تكون اسرائيليا أو ... إسرائيليا ولا خيار آخر!!