تجددت المعارك في القرن الافريقي بين اثيوبيا واريتريا بسبب خلافهما على منطقتي (زلمبسا وبادما) الحدوديتين بعد هدنة استمرت لشهور لم تكن لاعطاء وسطاء السلام فرصة للتحرك وانما كانت لمزيد من التجهيزات العسكرية والاستعداد لدورة جديدة، من الحرب خاصة بعد فشل محادثات السلام التي رعتها الولايات المتحدة الامريكية ثم منظمة الوحدة الافريقية واخيرا المفاوضات التي جرت في الجزائر الاسابيع الماضية برعاية الرئيس الحالي لمنظمة الوحدة الافريقية عبدالعزيز بوتفليقة, الا ان جميع مبادرات السلام المذكورة فشلت بسبب تعنت الطرفين واصرارهما على حسم نزاعهما الحدودي باللجوء الى الحرب لان علاقتها ساءت كثيرا خلال السنوات الاخيرة وساءت اكثر في اعقاب اصدار اريتريا عملة جديدة واحتفاظها بعملتها القديمة كرصيد من العملة الاجنبية. وفاجأت اثيوبيا الاريتريين بتغيير عملتها هي الاخرى بل انها وضعت قيودا للتعامل مع العملة الاريترية الجديدة (نقفا) وما كان من اثيوبيا الى انها لجأت الى تصعيد الخلافات فقررت رفع تكلفة رسوم الترانزيت على البضائع الاثيوبية بميناء (عصب) الذي يعد المنفذ الوحيد لاثيوبيا على البحر الاحمر وامام هذا الوضع تركت اثيوبيا ميناء (عصب) واتجهت لاستخدام ميناء جيبوتي التي رحبت بالسفن الاثيوبية لتوتر علاقاتها هي ايضا مع اريتريا وبدلا من ان توجع الضربة الاثيوبيين ارتدت على الارتريين الذين هم بحاجة للبضائع الاثيوبية فلجأوا الى احتلال منطقتي (بادما وزلمبسا) الحدوديتين القاحلتين كخيار لحل مشكلاتهم مع اثيوبيا. وزاد الموقف تعقيدا ان البلدين انفقا في السنوات الاخيرة ملايين من الدولارات في شراء السلاح بالاضافة الى ما كان مكدسا بالنسبة اليهما من اسلحة ورثاه من النظام الشيوعي السابق, فخلال الاشهر القليلة الماضية اشترت اثيوبيا سلاحا بنحو 300 مليون دولار حتى ان العديد من الدول الغربية لامها على انفاق هذا المبلغ الضخم على التسلح وشعبها يقاسي جوعا, حتى ان رد الفعل البطيء للغرب في نجدة الذين ضربتهم المجاعة في منطقة (او غادين) كان نوعا من انواع الاحتجاج على شراء اثيوبيا السلاح, اما اريتريا فقد انفقت نحو 250 مليون دولار في شراء اسلحة متطورة لدعم سلاحها الجوي الذي كان يشكل اكبر ثغراتها وادى الى استباحة القوات الاثيوبية لسمائها في السابق وضرب العاصمة (اسمرا) ومطارها فاصبح الموقف في غاية التعقيد خاصة بعد ان تحولت المعارك بين الجانبين الى حرب شاملة تطال المدنيين استعملت فيها القوات الاثيوبية الطائرات في قصف العاصمة الاريترية (اسمرا) وقد تحركت العديد من الاطراف الدولية لحل النزاع في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية التي بدأت جهودها السلمية منذ عام 1998 اي خلال الفترة التي ظهر فيها الخلاف وكان الهدف الامريكي ليس وقف الحرب فقط وانما اعادة العلاقات على ما كانت عليه حتى ان الادارة الامريكية عرضت على البلدين المتحاربين التزامها بتغطية كل خسائر الجانبين دون ان ترى في الافق الاحتقان الذي بلغ مداه وان مرارات الماضي وذكرياته الاليمة بين الاريتريين والاثيوبيين قد اطلت برأسها من جديد ومع ان الولايات المتحدة الامريكية كانت في كل مرة تجتهد لابراز حيادها الا ان الارترييين كانوا يحسون دائما بتعاطفها مع اثيوبيا في كل مراحل النزاع الى حين اندلاع الحرب بل ان الوساطات الامريكية كانت جميعها تصطدم بعناد الدولتين فالاريتريون يطالبون بترسيم الحدود اولا والاثيوبيون يرفضون مبدأ الترسيم قبل الانسحاب من المناطق التي احتلت واصبح الهدف بالنسبة لاثيوبيا هو اسقاط النظام الموجود على الطرف الاخر. ومع ان الولايات المتحدة الامريكية قد حاولت اكثر من مرة اشراك رواندا التي تجمعها علاقات متميزة مع اريتريا لايجاد مخرج سلمي للحرب المشتعلة بين البلدين الا انها فشلت لاصرار اريتريا على مواصلة الحرب الى حين تستجيب اثيوبيا الى مطالبها, اي ترسيم الحدود واعتراف حكومة اثيوبيا بسيادة اريتريا على المنطقتين المتنازع عليهما. اسرائيل كانت اكثر ذكاء وفهما للازمة ومن البداية لم تحشر نفسها في النزاع بين الطرفين فأثيوبيا واريتريا حلفائها كما ان المنطقة في غاية الاهمية بالنسبة اليها وهي بكل الحسابات من اكبر الخاسرين اذا استمرت الحرب بين الطرفين. لقد كان ضروريا لاثيوبيا ان تكسب معركة ضد اريتريا لذلك حشدت في فبراير 1999 اعدادا ضخمة من قواتها المسلحة على جبهة بادمى واستطاعت ان تكسر شوكة القوات الاريترية الاكثر تنظيما واقل عددا بل انها حررت الجزء الاكبر من المنطقة واستعادت ثقتها في جيشها ووجدت دعما شعبيا كبيرا وزاد اصرار اثيوبيا على مواصلة القتال وهي تتحدث عن ضرورة تأديب النظام الاريتري بل ان اطرافا من النظام الاثيوبي تحدثوا عن ضرورة اعادة النظر في امر استقلال اريتريا وان اتفاق البلدين كان ظالما لاثيوبيا لانه لم يعطها منفذا على البحر وجعلها تحت رحمة الاريتريين. وبهذا اعادت الحرب بين اريتريا واثيوبيا طرح التساؤل الذي لم تستطع منظمة الوحدة الافريقية الاجابة عليه وهو كيف يمكن حل نزاعات قارة افريقيا؟ ويبدو ان الاجابة عليه تكون اصعب في ظل الاوضاع المتردية التي لا تزال القارة تعاني منها في ظل غياب العدالة الدولية وفي ظل عدم رغبة الدول الغنية المساهمة بشكل فعال في حل مشكلات القارة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بل يمكن الجزم أن مشكلات الحدود الموروثة عن الاستعمار تمثل قنابل وبراميل بارود لا تزال تنفجر بين وقت وآخر وتمثل الحرب بين اثيوبيا واريتريا احدى هذه القنابل. وعليه لا يبدو في الافق اي مخرج قريب للازمة الحالية وكل جانب رتب اوراقه وهيأ نفسه لحرب طويلة قد تتوقف لبعض الوقت ولكنها ستعاود الكرة في شكل مواجهة مسلحة كما هو الحال عليه اليوم ولكن الهدف النهائي للجانبين هو اسقاط الآخر وان كل طرف سيستخدم كل ما يتاح له لازاحة الآخر وان فرص الحل السلمي تكاد تكون معدومة. وقديما قال (كلاوزفيس: الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل اخرى). * باحث جزائري