بدأت في اوروبا من جديد النقاشات حول مستقبل البناء الاوروبي في ضوء التحولات التي تعرفها المجموعة الاوروبية, والتي يمكن اجمالها في التغيرات الهائلة التي عرفها النظام الدولي بفعل الثورة التكنولوجية الهائلة خاصة في مجال الاتصال, وكذلك انماء النزعة التنافسية الهائلة التي اعادت هيكلة الاقتصاديات العالمية, دافعة نحو التكتل لمواجهة تحديات التركيز الذي تسجله مختلف القطاعات. وثانيا: كرد فعل على هذه التغيرات العميقة التي عرفها المجال الدولي, فقد افرزت انشغالات جديدة لم يعد من الممكن التعامل معها بنفس التصورات السابقة. فالهواجس الاجتماعية اصبحت في قلب السياسات العامة. فلم يعد المواطن يقبل ان يكون ضحية اعادة الهيكلة الاقتصادية التي غالبا ما تفرض قرارات لا اجتماعية بدعوى رفع المردودية ومواجهة المنافسة الشرسة. في الوقت نفسه, فإن متطلبات الجودة الاقتصادية باتت مرهونة باحترام مقاييس اخرى متعلقة بالبيئة وسلامة الانسان. واخيرا فإن البناء الاوروبي لم يعد قضية تهم الحكومات والسياسيين فقط, كما كان الامر سابقا, بل باتت في قلب اهتمام المواطن الذي يطالب بضرورة اشراكه بشكل فعلي في كل القرارات التي تحدد مستقبله ومصيره. وثالثا: التوسع الذي ما فتنت تشهده المجموعة الاوروبية حيث انتقلت في بداية الامر من ست دول وقعت على اتفاقية روما في سنة 1957 الى 15 دولة في الظروف الحالية. ومن المنتظر ان تشهد مزيدا من التوسع في ظل ترشيح العديد من الدول, ولا سيما تلك الناتجة عن انهيار المعسكر الشرقي للحصول على العضوية في هذا التجمع الذي يعتبر من انجح التجارب الاندماجية التي عرفتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويعني هذا المعطى ان عدد الدول الاعضاء سيتضاعف بشكل سيطرح اشكالية تدبير هذا التوسع حتى لا يخل بالهدف الذي نشأ من اجله هذا البناء حيث ان هذا التوسع سيطرح تحديات حول الكيفية التي سيتم من خلالها التوفيق بين المصالح المتضاربة لثلاثين دولة تتفاوت في قدراتها وامكانياتها بل اكثر من ذلك تختلف في سياساتها الوطنية, وكذلك كيفية اتخاذ القرار من طرف الاجهزة المنصوص عليها حاليا بصفة عامة, فإن التطور الذي وصلت اليه المجموعة الاوروبية والآفاق التي يفتحها تفرض ضرورة اعادة التفكير في الآليات الكفيلة بتدبير هذا المجال. ومن الواضح ان هذا الامر ليس نتاجا لتصور شخص او طرف معين, بل انه يطرح على كافة الاطراف الاوروبية في تنوعها ضرورة المساهمة في ايجاد الاجوبة المناسبة. ومن ثم فقد بدأت المقترحات تتناسل حول الاصلاحات الضرورية لجعل المجموعة الاوروبية اكثر تأهيلا لمواجهة الرهانات المستقبلية, من بين المساهمات البارزة هناك ما طرحه وزير خارجية المانيا جوشكا فيشر في احدى المحاضرات التي ألقاها. وبالرغم من انه اعتبر ذلك مساهمة شخصية منه فإن الافكار التي قدمها قد تمت بموافقة من المستشار الالماني شرويدر,. وفي السياق نفسه فهي تأتي في خضم استعداد فرنسا لتسلم رئاسة المجموعة في بداية يوليو. وكما ابرز ذلك الوزير الاول الفرنسي امام الجمعية الوطنية, فإن فرنسا عازمة على استثمار هذه المناسبة لتقديم النقاش حول مستقبل البناء الاوروبي. ومعروف ان البناء الاوروبي قد قام في احدى مرتكزاته الاساسية على التوافق الفرنسي الالماني, فهذا الثنائي يشكل قاطرة المسيرة الاوروبية. لذلك كان من الطبيعي ان تستقطب الافكار التي بلورها جوشكا فيشر اهتماما واسعا في الاوساط الاوروبية. فما هي هذه الافكار, وما هي ردود الفعل التي خلفتها؟ يرتكز محور تفكير هذا المسئول الالماني على ان التحولات سواء منها الراهنة او المستقبلية تفرض على اوروبا الانتقال من النظام الكونفيدرالي الذي وسم لحد الساعة تنظيم المجموعة الى نظام فيدرالي لكن على خلاف المقترحات السابقة المتعلقة بالفيدرالية والتي كانت تهدف الحلول محل السيادات الوطنية, فإن هذا المنظور الجديد يقوم على اساس فيدرالية تحافظ ضمنها الدول على سيادتها ومؤسساتها. وفي هذا الصدد يطرح فكرة تقسيم السيادة بين الفيدرالية الاوروبية والدول القومية, اي بصيغة اخرى تعميق مبدأ الاحتياطية المعمول به, والذي يعطي للتشريع الاوروبي حيزا واسعا فيما يتعلق بالتشريعات الموحدة. ويبرز ذلك بضرورة الاخذ بعين الاعتبار تحفظات بعض الدول, وفي مقدمتها بريطانيا التي لا تنظر بعين الارتياح الى فكرة تأسيس فيدرالية اوروبية تفقد فيها الدولة القومية هويتها ووجودها, ولتحقيق هذه الخطوة لابد من وجود مؤسسات تعبر عن هذا التوجه. ويتعلق الامر بالسلطة التنفيذية التي قد تتكون من حكومة على شاكلة اللجنة الاوروبية التي تنبع من الدول الاعضاء, والتي ينبغي ان تتوسع اختصاصاتها او يمكن التفكير في رئيس ينتخب بالاقتراع المباشر ويتوفر على سلطات فعلية اما فيما يتعلق بالبرلمان فيقترح فيشر ان يكون مكونا من مجلسين يعكسان فكرة السيادة المقسمة: فهناك مجلس منتخب يتكون من برلمانيين ينتمون في الوقت نفسه للبرلمانات الوطنية. واما المجلس الثاني فيتشكل من نواب نابعين من مجالس الشيوخ ينتخبون بالاقتراع المباشر على قدم المساواة بين الدول الاعضاء كما هو الامر بالنسبة لمجلس الشيوخ الامريكي. ان الانتقال الى هذا الشكل الجديد من البناء الاوروبي يتطلب الاتفاق على دستور اوروبي يحدد بالاساس الحقوق الاساسية للمواطن الاوروبي ويضع فواصل واضحة بين ما هو اختصاص اوروبي, وما هو اختصاص الدول القومية. وهذا امر من شأنه ان يضع حدا للخلط والجدل القائم بين هذين النوعين من الاختصاصات. على مستوى آخر ينبه فيشر الى ان السنوات العشر المقبلة ستجعل الدول الاوروبية امام خيارين لا ثالث لهما تفرضهما التطورات والازمات الناتجة عنها: اما قبول الانتقال الى النظام الفيدرالي من خلال عقد دستوري يعيد صياغة العلاقات فيما بينها . واما في حالة تعذر ذلك فإن فريقا من الاعضاء يشكل النواة الصلبة سيحقق الاندماج الاوروبي المطلوب. لكن فيشر لا يجدد بالضبط نوعية هذه المجموعة التي ستشكل طليعة تحقيق الوحدة الاوروبية. من الواضح ان مساهمة وزير خارجية المانيا الذي يعتبر من قادة الخضر في بلاده انما ينم عن هذا الانخراط الواسع لكثير من الشرائح المجتمعية في اوروبا. لكن في السياق نفسه, فإنه يكشف عن المجهود النظري الذي يصر المسئولون على المساهمة به في خضم النقاشات الكبرى التي تعبىء الاوروبين حول هذا المشروع الذي سيجدد مستقبل اوروبا وعلاوة على ذلك فإنه يعكس القلق الذي بات يساور المسئولين الاوروبيين في خضم التحديات التي يواجهها البناء الاوروبي وكذلك الخوف من احتمال اندثار هذا البناء اذا لم يفلح في تدبير هذا التوسع الذي سيشهده خلال السنوات المقبلة. وتأخذ مقترحات جوشكا فيشر دلالاتها الكبرى في الوقت الذي تصدر عن مسئول ينتمي الى اكبر دولة في اوروبا. فضلا عن ذلك فهي تجد مساندة عند فرنسا التي ستترأس المجموعة ابتداء من شهر يوليو المقبل. ويبدو واضحا ان القمة الفرنسية الالمانية التي عقدت مؤخرا قد ناقشت هذه المقترحات. لكن يبقى واضحا ان هناك مسافة كبيرة ينبغي قطعها لتحويل هذه المقترحات الى اجراءات عملية فذلك امر يتطلب مفاوضات عسيرة مع كافة الاطراف, ولا سيما تلك التي لا تبدي رغبة كبيرة في التخلي عن سيادتها لأجهزة خارجية. ولا يتعلق الامر فقط بدول كانجلترا, بل حتى في فرنسا والمانيا تتواجد قوى سياسية متميزة تناهض كل مشروع فيدرالي. ولا ريب في ان المحطات الانتخابية المقبلة كفيلة بأن تكشف عن مدى تجذر نفوذها في اوساط الرأي العام الاوروبي لذلك ينبغي انتظار الايام او الشهور المقبلة لمعرفة المسار الذي ستتجه اليه هذه التجربة الاوروبية الجديرة بالتأمل والمتابعة. استاذ العلاقات الدولية ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ المغرب