قبل بضعة شهور تقدم عشرون شخصية فلسطينية بارزة يتقدمهم د. حيدر عبدالشافي المشهور باستقامته الوطنية, وبينهم اعضاء في البرلمان الفلسطيني, بمذكرة قوية اللهجة الى القيادة الفلسطينية يطالبون فيها القيادة بأن تتخلى عن (طريق اوسلو) وتتوجه صوب طريق (حزب الله) . وقيمة المذكرة مستمدة من ان غالبية الشخصيات الموقعة على المذكرة لا ينتمون الى (حماس) او منظمة (الجهاد الاسلامي) الفلسطينية. الان, وبعد ان استكملت اسرائيل تصفية وجودها العسكري في لبنان بتنفيذ عملية انسحاب لقواتها في عجلة وذعر بينما تلاحقها ضربات (حزب الله) الموجعة, سوف تدرك الجماهير الفلسطينية بصورة عملية مغزى (مذكرة العشرين) ومعنى المقارنة التي عقدها اصحاب المذكرة بين (طريق اوسلو) و (طريق حزب الله) . وحتى بدون المذكرة فإن احدث مشهد لكل من هذين النهجين المتناقضين يتحدث عن نفسه بأعلى درجات البلاغة الطبيعية: مشهد دراماتيكي متحرك نرى فيه جموعا من الجنود الاسرائيليين يتراكضون مذعورين صوب الحدود الاسرائيلية.. وما ان يعبرون الخط الحدودي حتى يهنأ بعضهم البعض بالهروب من الجحيم اللبناني. وعلى الارض اللبنانية تتناثر اسلحة ثقيلة وخفيفة بما في ذلك الدبابات والمدرعات تركتها وراءها القوات الاسرائيلية وقوات الميليشيا العميلة سالمة وقابلة للتشغيل من فرط تعجل الهروب, في هذه الاثناء تستولي عناصر المقاومة الشعبية اللبنانية على كل المواقع العسكرية الاسرائيلية في ارض الجنوب اللبناني بما في ذلك (مرجعيون) المقر الرئيسي للقيادة العسكرية الاسرائيلية.. وعلى هذه الخلفية يقوم مقاتلو الميليشيا العميلة لاسرائيل بتسليم انفسهم زرافات ووحدانا الى عناصر (حزب الله) او الى مقار الشرطة اللبنانية, ومع اكتمال عناصر الصورة باسترداد لبنان لأرضه من القوة الاحتلالية الاسرائيلية يدخل المشهد صفحات التاريخ كأول انتصار عربي على الدولة اليهودية. ومع عظم هذا المغزى فإنه يكتسب المزيد من العظمة عندما نستذكر انه عن طريق نضال المقاومة الشعبية وحدها استرد اللبنانيون ارضهم من اسرائيل دون اي شرط اسرائيلي, بل ودون الحاجة الى تفاوض. هذا المشهد العظيم يتناقض موضوعا وشكلا مع احدث صورة للمشهد الفلسطيني. فنحن هنا بازاء (مفاوضات سرية) يقبل عليها احد الطرفين بأسلوب الاستجداء.. ويقبل عليها الطرف الاخر بنهج فرض شروط تلو شروط, ومع ذلك, وبعد سبع سنين من المسلسل التفاوضي والاستجابة تلو الاستجابة لشروط بلا نهاية تظل الارض الفلسطينية تحت الاحتلال. بينما لا تلوح في الافق أية بوادر يمكن ان تنبئ بقرب نهاية الاحتلال الاسرائيلي. بعين البصيرة النافذة رأى د. حيدر عبدالشافي الفارق الحاسم بين (طريق اوسلو) و(طريق حزب الله) , فكانت المذكرة الشهيرة. الان يفرض المشهدان المتناقضان تأثير كل منهما في الذهنية الجماعية للشعب الفلسطيني فيستقر المغزى النهائي في هذه الذهنية الجماهيرية: ان التفاوض بلا مساندة نضالية شعبية على الارض لن يثمرنتائج ايجابية وان النضال الشعبي يثمر النتيجة المرجوة دون ان يحوجك الى تفاوض. والمأمول ان هذا الانتصار اللبناني التاريخي الحاسم على اسرائيل يمثل حدا فارقا في الشرق الاوسط بين أفول منهج وصعود نجم منهج اخر. فهل تتغير ملامح المشهد الفلسطيني بناء على المثال اللبناني؟