أحيانا, أشعر أن (عناد) هذا الرجل مثل حمل ثقيل في رحم مغلق, تفشل في إسقاطه كل أساليب الإجهاض, الإبر الحادة الموجعة, ركل البطن بالأرجل, الدحرجة على السلالم, والقفز من الدور العاشر, لكن, بقي طفل (العناد) الذي يصر على الاحتفاظ به محمد الفايد، محميا لأن البطن بدا سميكا مثل قشرة الكرة الأرضية, متموجا كقاع بحيرة عتيقة تعرف كيف تحتفظ بالأسماك. إن طفل العناد الذي يصر عليه محمد الفايد اسمه (الجنسية البريطانية) , وهو طفل تجاوز كل شهور الحمل بسنوات لكنه عاجز عن النزول الى الحياة في مستشفى (لندن كلينتك) ... أو حتى في عيادة صغيرة في شارع الأطباء في العاصمة البريطانية المعروف (هارلي ستريت) فكل الأطباء والسياسيين وأفراد العائلة المالكة ورجال الأعمال يرفضون ولادته, ويؤكدون أن الحمل كاذب, أو الحمل فاسد, وأنه لايزيد عن كونه مجرد ورم خبيث, لابد من استئصاله. لقد أهانوه, وحاكموه, وسخروا منه, ثم, انهم اتهموه بأن نقوده - التي اشترى بها متاجر (هارودز) الشهيرة في لندن - ليست نقودا نظيفة, وبعد فترة من الزمن سحبوا من (هارودز) العلامة الملكية التي كانت تغري كل سكان الأرض بدخول متاجر (هارودز) وشراء أي شئ منها على سبيل التفاخر ولو علبة مناديل ورقية, ثم, اتهموه بالتحرش الجنسي, وهي تهمة تدفن صاحبها في قبر من التجاهل والاحتقار في هذه البلاد الضبابية التي تبدو في أفضل أحوالها مثل لوح رصاص بارد, ممل. لقد أجبروه على ابتلاع أسياخ النار, وطحن الزجاج بأضراسه, وزرعوا طريقه بغابة من المسامير, وحولوا بريطانيا بالنسبة له الى مكعب من الأسمنت, أو حولوها الى معتقل من نوع خاص, ليس مسموحا له فيه أن ينسى نفسه, أو يفقد ذاكرته, أو يشتري من جديد كرامته التي تبعثرت بين مانشتات الصحف الصفراء, وثرثرة شاي الساعة الخامسة. ثم, كان أن قتلوا ابنه الوحيد (عماد) أو (دودي) أسقطوا الزهرة الوحيدة التي نبتت في شجرة قلبه, أحرقوه وكأنه لم يكن شابا يكبش النجوم بيده, وإنما كان مجرد كومة من القش قابلة للاشتعال في كل لحظة. لكن, رغم ذلك كله, يصر على الحصول على هذه الجنسية التي بدت وكأنها تذكرة دخول الجنة, أو كأنها حجر الفلاسفة الذي سيمنحه الحكمة والخلود, أو كأنها خاتم سليمان الذي سيحقق له ما عجز طوال حياته عن تحقيقه, وقد وصلت الحالة الى حد الهستريا, والاستسلام للوهم. ففي البرنامج التليفزيوني (تي.أف.أي فرايدي) الذي يقدمه (كريس أيفانز) كل يوم جمعة ظهر محمد الفايد هو وفريق الكرة الشهير (فولهام كلوب) الذي يتبناه وينفق عليه الملايين سنويا وقد أرتدى قميصا مشجرا ملونا وراح يعرض معاناته مع الجنسية البريطانية, ويبدو أن مقدم البرنامج شعر بالرثاء لحاله فقرر أن يمنحه جواز سفر من عنده, ولكن مقدم البرنامج لم يحرم نفسه من السخرية منه عندما وصفه بالسمين العجوز, وكان على محمد الفايد أن يخلع ثيابه أمام المشاهدين ويقفز على الميزان ليؤكد أنه لايزال رشيقا. ولعبت قرية بريطانية صغيرة - تسمى (أشورست وود) تقع في منطقة (ساسكي) وقد أعلنت أنها جمهورية مستقلة عن بريطانيا الأم - على هذه العقدة النفسية المزمنة وقررت منح الجنسية لمحمد الفايد الذي كان مستعدا على ما يبدو لشراء (الترام) . ما الذي يجعله مصرا على ذلك؟, ما الذي يدفعه لشراء (جواز سفر) دولة لاتطيقه بملايين الجنهيات يدفعها في صورة تبرعات لمشروعات خيرية, ورعاية فريق كرة, وشراء القصور الملكية القديمة وترميمها ثم إعادتها الى الدولة؟, إن بعض التقديرات تشير الى أنه أنفق على النشاط العام في بريطانيا ما يقرب من 500 مليون دولار دون فائدة, فهو في نظر السلطات البريطانية رجل أعمال لايعرف في معاملاته سوى الطرق الملتوية, وهو في نظر الأسرة المالكة مجرد مهرج من طبقة الأثرياء الجدد (النفو ريش) يريد أن يشتري الارستقراطية التي يفتقدها بكل ما يملك من ثروة, وهو في نظر رجل الشارع الانجليزي لايزيد عن شخص فقد عقله, يريد الانتماء الى إمبراطورية عفا عليها الزمن, ودخلت المتحف, ولم يبق من ذكراتها سوى حديقة حيوان (لندن) التي أستوردوا حيواناتها من المستعمرات القديمة من باب الذكرى والحنين الى الماضي. وفي الوقت نفسه لم يقدم محمد الفايد شيئا لوطنه ولا لمدينته التي ولد وتربى وتعلم فيها وكسب منها أول نقود في حياته, بل, أنه لم يتردد في إثارة أزمة حادة عندما تبرع بما لايصل الى مليوني دولار لمستشفى للأطفال في حي (الأنفوشي) بالإسكندرية, إن المستشفى يحمل اسم الملكة - الأم الأخيرة في مصر, الملكة (نازلي) , وهي التي أسسته, ولكن, محمد الفايد اشترط أن ينزع اسمها ويوضع على لوحة الشرف في مدخلها اسم ابنه (عماد) , إن مبلغ التبرع لايزيد كثيرا عن تكاليف رحلة بحرية يقوم بها لخدمة لوردات وأميرات بريطانيا العظمى من أجل أن يكسب ودهم, ولكن, عندما يتعلق الأمر ببلده, ومدينته, والحي الذي ولد فيه, تكون الشروط والقيود والغرور والغطرسة والتعالي في المنح, فهل نقبل مثل هذه الإهانة من رجل تعود عليها؟ لقد ولد في عام 1929 في (الانفوشي) , والده كان مدرسا بسيطا, يعيش في شقة متواضعة في حارة (الوكيعي) رقم (51) , كافح من أجل تعليم أولاده الثلاثة الذي كان محمد الفايد أكبرهم عمرا, وأكثرهم حظا, واسمه الحقيقي محمد فايد, ولا نعرف سر تحول فايد الى الفايد, هل كان هذا التحول من باب الإيحاء بأنه ليس مصريا, ربما, لكن المؤكد أنه حمل لقب الفايد عندما هاجر الى بريطانيا في عام 1975 وبعد أن شارك في شركة (لويز هو) وكان معه في الشرطة (آل رولاند) الذي أصبح فيما بعد عدوه اللدود وخصمه الذي لايطيق وجوده, على أن الفايد لم يصبح حديث الناس إلا بعد أن اشترى فندق (ريتز) , أشهر فنادق العاصمة الفرنسية باريس, وهو الفندق الذي شهد الأيام الأخيرة لأبنه دودي قبل مصرعه, فقد قضى ليلته الأخيرة هو والأميرة ديانا في جناحه الملكي, لكن, يبقى السؤال, من أين له كل هذا؟. الإجابة تتلخص في اسم شهير آخر هو عدنان خاشقجي الذي تربى وعاش في بداية الخمسينات في الاسكندرية, وهناك تعرف عليه محمد الفايد, وتعرف على شقيقته (سميرة) , وسرعان ما ربط الحب بينه وبينها, ثم ربط البيزنيس بينه وبين شقيقها, فقد سافر للعمل معه في السعودية وكان عدنان خاشقجي ينتج (الجبس) ولم يكن قد دخل بعد الى عالم السلاح الخفي, وهو العالم الذي أصابه فيما بعد بلعنة المطاردة من معظم أجهزة المخابرات في العالم, وأصاب كل من عرفه بلعنة من نوع خاص, يثير الانتباه والدهشة. إن (عدنان خاشقجي) كان قادرا على تحويل التراب الى ذهب, لكن, بشرط أن لا يسأله أحد عن السبب, وكان قادرا على أن يعطي فرصة الثراء لكل من حوله, لكن, بشرط أن يأخذوا مع الثروة اللعنة, ويأخذوا مع المال النوم على الأشواك, ويأخذوا مع الجاه الموت في ظروف غامضة. لقد كانت هناك لعنة (ما) تطارد كل من بدأ ثروته بخميرة من عدنان خاشقجي, أو كل من عاش بالقرب منه. إن شقيقته (سميرة) التي تزوجت محمد الفايد سرعان ما أنجبت منه (عماد) أو (دودي) , وسرعان ما شعرت بالملل منه فطلبت الطلاق, وتزوجت من دبلوماسي سعودي هو (أنس ياسين) عاشت معه في الهند, حيث كان سفيرا لبلاده هناك, وأنجبت منه فتاة هي (جمانة) , لكن الملل سرعان ما طاردها, فطلبت الطلاق, وتركت الدبلوماسية, واتجهت للصحافة, فنشرت مجلة (الشرقية) , وهي مجلة أنيقة لاتفتقد القضايا الجادة, كانت تكلف عدنان خاشقجي أكثر من مليوني دولار في السنة, وفي حفل للسفارة اللبنانية بالقاهرة التقت بدبلوماسي شاب هو عبدالرحمن الأسير وقعت في غرامه من أول نظرة, وبعد أيام كان زوجها وأنيس وحدتها وشريك شقيقها في تجارة السلاح, وقد تغير كثيرا بعد زواجه منها, انتمى الى عالم الثروة والشهرة والارستقراطية السياسية, لكنه ابتعد يوما بعد يوم عنها الى أن كان الطلاق الذي توقعه وانتظره الجميع. لكن, سبق الطلاق حادث درامي يرويه ناصر الدين النشاشيبي الذي كان قريبا منها ومن شقيقها ومستشارا لمجلتها," سافرت مع عبدالرحمن الأسير من (مونت كارلو) وكانت قد عرفت أنه يحب غيرها وفي الطريق الى (كان) أوقفت السيارة (الرولزرويس) في منتصف الطريق وطلبت من السابق أن يطرد (البيه) منه, ولم تمر سوى فترة من الزمن حتى شعرت بالحزن والاكتئاب وفقدان النوم, وفي ليلة من ليالي الأرق الحاد لم تستطع أن تنام إلا بعد أن تناولت جرعة زائدة من الحبوب المهدئة, لكن النوم كان أبديا, فقد انفجر الدم في رأسها كالنافورة (وخلفت وراءها 50 بالطو فراء, وصناديق ملأى بالجواهر مخزونة في أكبر بنوك سويسرا) , وخلفت وراءها أمنية لم تتحقق بأن تنام ليلة واحدة وهي خالية البال, متحررة من اللعنة التي أصابتها. وامتدت اللعنة الى محمد الفايد, إنه رغم الثراء الذي لاحدود له إلا أنه فقد ابنه الوحيد, لقد بدأ ابنه دودي الفايد مشواره العملي في الحياة بدراسة الاخراج السينمائي, وأخرج فيلما نال الإعجاب هو (عربة الجياد النارية) , لكن, النجمات في هوليود كن أكثر جاذبية له من البلاتوهات, فترك السينما وتفرغ للمغامرات الخاصة, وكانت المغامرة الكبرى مع الأميرة ديانا والتي انتهت بمصرعهما معا, لتواصل اللعنة عملها بنجاح ساحق. وقد أدهشني أن يتلقى محمد الفايد حادث مصرع ابنه الوحيد دون أن يهتز, أو يسقط, أو ينكسر, أو ينهار, وأدهشني أكثر أن يستخدم أحزانه ومأساته في الصراع بينه وبين الحكومة البريطانية, إنها اللعنة في صورة أخرى, أن لانشعر بطعنة خنجر استقر في لحمنا, أن لا نشعر بالعتمة في جوف حوت ابتعلنا, أن يسقط نيزك من السماء في القلب ويحدث حفرة كبيرة فيه, ثم نمضي في الحياة وكأن الذي سقط في القلب ورقة شجر, لقد تصورت أن محمد الفايد بعد مصرع ابنه الوحيد سيتوقف عن عمله, وسيعلن اضرابا عن الصراعات التي لا يتوقف عن الدخول فيها, وسيعتذر عن التنفس, ويعود الى الأنفوشي, موطنه الأصل, ليتكلم مع أهله هناك كما كان, ويأكل معهم, ويندمج فيهم, ويصلي الفجر في مسجد (المرسي أبوالعباس) , ويلقي بعصاه السحرية فيحول الحي المتواضع الى حي لامع, يبرق, لعله يحصل على الدواء والشفاء. كنت أتصور أنه سيعود الى وطنه ليريح رأسه على صدره ويربط سفينته التي لم تكف عن الرحيل في أقرب مرسى, لكن, ذلك لم يحدث, وخابت كل توقعات العقلاء والصوفيين والرومانسيين, وواصل الرجل تحدي قدره . لقد استغل موت ابنه المأساوي في الحصول على المزيد من الضوء, وراح يتهم بعض الوزراء بتقاضي الرشوة منه, وراح يتهم الأمير فليب زوج الملكة بتدبير حادث قتل ديانا ودودي بمساعدة أجهزة الأمن البريطانية, وراح ينشر على شبكة الانترنت أسماء العملاء والجواسيس السريين للمخابرات البريطانية وساعده في ذلك عميل سابق معزول وهو ريتشارد تومبنلسون, وقد وصف محمد الفايد هؤلاء العملاء والجواسيس - ومنهم اثنان اتهمهما بقتل ابنه وقتل ديانا معا - بأنهم مثل عصابة (آل كابوني) التي يستخدمها القصر الملكي في الجريمة المنظمة, وفي المواجهة بدأت المؤامرات الرسمية ضده, فخططوا لاعتقاله بتهمة كسر خزانة في محلات هارودز كانت تخص تايني رونالد, لولا اعتراف رجل شرطة بأنه دبر هذه اللعبة لكان الآن في السجن, وربما مطرودا من بريطانيا التي يستثمر فيها أكثر من ثلاثة مليارات دولار ويمنح فرص عمل لأكثر من ثلاثة آلاف عامل وموظف هناك. لقد جعلت كل هذه التصرفات محاميا مصريا اسمه مصطفى رسلان يرسل إنذارا قضائيا اليه يطالبه فيه بالكف عن طلب الجنسية البريطانية, فطلبه لاينطوي على إهانة دولية له فقط وإنما لباقي الشعب المصري, وطالبه المحامي بتصفية ممتلكاته في بريطانيا والعودة الى مصر, وهدده برفع دعوى ضده وضد وزير الداخلية المصري لاسقاط الجنسية المصرية عنه إذا لم يضع عقله في رأسه ويكف عن ما هو فيه . ولايهمني أن يحصل محمد الفايد على الجنسية البريطانية أو تسقط عنه الجنسية المصرية, ما يهمني هو أن لايمتد عبثه إلينا, وينزع اسم الملكة نازلي من لوحة الشرف في مستشفى الأطفال بالاسكندرية, ليوضع اسم ابنه عليه, مقابل مبلغ من المال يرميه في وجهنا, ويتبرع بأضعاف أضعافه لجمعيات الكلاب اليتيمة, ردوا اليه ما دفع. وردوا الى الاسكندريين احترامهم للتاريخ واحترامهم لأنفسهم.