يكتبها : احمد عمرابي في بحثه التنظيري الشهير عن (صراع الحضارات) الذي صدر في كتاب بالعنوان نفسه, يعتبر الفيلسوف الامريكي المعاصر صامويل هنتنجتون التحالف الغربي مع اسرائيل والحركة الصهيونية العالمية الوجه الآخر لجبهة تحالفية دينية بمستوى عالمي هي الجبهة المسيحية اليهودية. وهي جبهة تعتبر نفسها في حالة نزال مصيري ضد انتشار الاسلام والحضارة الاسلامية في عالم اليوم والغد. تحالف اسرائيل اليهودية مع مجموعة الضابط اللبناني المسيحي العماد أنطوان لحد يمثل حلما اسرائيليا قديما في تحريض المسيحيين اللبنانيين, خاصة الموارنة, على الانسلاخ عن الوطن اللبناني لتكوين دويلة مسيحية تخضع ارادتها لدولة اسرائيل بحيث تكون هذه الدويلة قاعدة لحرب حضارية موجهة ضد الاسلام في العالم العربي. ومن هذا المنظور فإن دور العقيد جون قرنق و(الحركة الشعبية لتحرير السودان) كتنظيم ذي قيادة وتوجه مسيحيين معاديين للاسلام لا يختلف جوهريا عن دور العماد أنطوان لحد. المشروع الاسرائيلي بشأن لبنان والدويلة المسيحية تبلور فور قيام الدولة الاسرائيلية قبل اكثر من نصف قرن على يد ديفيد بن جوريون, أول رئيس حكومة اسرائيلية. وعندما نطالع تاريخ المشروع عبر العقود المتلاحقة تبرز اسماء بشير الجميل والرائد سعد حداد وأخيرا العماد انطوان لحد.. وربما ايضا العماد ميشيل عون كشخصيات مسيحية مارونية وقع عليها اختيار القادة الاسرائيليين في عهود متعاقبة. الاتصال الاسرائيلي مع الجنوب السوداني ومشكلته ايضا له تاريخ. فمنذ مطلع ستينيات القرن الماضي دخلت اسرائيل كقوة خارجية تدعم حركة التمرد. ومن المثير أن نلاحظ أن هذا التدخل الاسرائيلي كان ولايزال في اطار تنسيق مع المنظمات المسيحية الغربية كمجلس الكنائس العالمي. ولذا فإن أوجه التشابه بين العماد لحد والعقيد قرنق وبين (جيش لبنان الجنوبي) و(الجيش الشعبي لتحرير السودان) متعددة الى درجة التطابق أحيانا. القائدان, ابتداء يشتركان في وحدة الهوية الدينية وتضاد هذه الهوية مع محيطها الاكبر: الغالبية المسلمة في لبنان وارتباطها العضوي مع العالم العربي الاسلامي من ناحية والغالبية المسلمة في السودان وارتباطها أيضا مع الأمة العربية الاسلامية من ناحية أخرى. ومثل (جيش لبنان الجنوبي) فان تدريب جيش قرنق تولاه ولايزال يتولاه خبراء اسرائيليون إما في معسكرات داخل الاراضي اليوغندية بالنسبة الى الجنود, أو في اسرائيل نفسها بالنسبة الى الضباط. لقد اندلعت مشكلة جنوب السودان منذ 45 عاما. وعلى المدى الاعظم لهذه الفترة الطويلة نلحظ ان اسرائيل لم تكتف بالدعم العسكري المتصل للقوات الجنوبية المقاتلة. فقد استخدمت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة نفوذها السياسي على انظمة حاكمة في بلدان افريقية مجاورة للسودان وذات قيادات مسيحية لتوفير دعم اضافي متنوع للحركة الجنوبية. في هذا السياق الطويل تلمع اسماء الامبراطور هيلاسلاسي والرئيس منجستو هايلا مريم في اثيوبيا والجنرال موبوتو في زائير (الكونغو حاليا) والرئيس أسياس أفورقي في اريتريا والرئيس يوري موسيفين في يوغندا. وليس مصادفة اطلاقا ان كل اولئك القادة السابقين واللاحقين دون استثناء يتشاركون في الهوية المسيحية. يقول صامويل هنتنجتون ان الصراع العالمي المستقبلي سوف يكون صداما عقائديا بين حضارات دينية مختلفة. واذا صحت نظرية هنتنجتون بأن لبنان والسودان بؤرتان مبكرتان من بؤر الصراع العالمي المرتقب.