الهزال الذي أصاب العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) في مواجهة الدولار الأمريكي خلال عام ونصف من وضعها موضع التعامل (النظري) , لأنها لم توضع بعد بشكل عملي من خلال عملة معدنية أو ورقية بين أيدي المتعاملين, هذا الهزال الذي أصابها جعلها تفقد ما يزيد قليلا على 20 في المئة من قيمتها خلال تلك الفترة, مما شكك في قدرتها على استمرار مواجهتها لعملات دولية أخرى تعتبر ملجأ لرؤوس الأموال (غير المنتمية) كالدولار لمواجهة التقلبات عن علاج لهزالها حتى لا يكون سببا في وضع النمو الاقتصادي الأوروبي موضع الشك خلال السنوات المقبلة. على إثر هذا الوضع بدأ المحللون والسياسيون في البحث عن تلك الأسباب, لكن كل التحليلات أشارت إلى أسباب تعددت بتعدد تلك التحليلات, بعضهم نظر إلى ميلاد تلك العملة ونشأتها كما لو كانوا قد فوجئوا بهذا الوضع الذي جاء على عكس ما أبدته توقعاتهم السابقة على ميلادها ووضعها موضع التنفيذ, حتى أنهم اختلفوا في الأسباب التي يرون أنها كانت سببا في هذا الوضع الذي يشكك كثيرا ليس في اليورو وحده كعملة موحدة لدول متعددة, بل في أساسيات أخرى تقوم عليها وحدة الاتحاد الأوروبي. فقد أشار البعض إلى أن سبب هذا الضعف هو تزايد سعر الفائدة على الدولار الأمريكي الذي جعل المضاربين بالعملات يلجأون إلى الورقة الخضراء لحماية أموالهم من التدهور, وللحصول على عوائد أكبر وسريعة. هناك من يرى أيضا أنه في ظل (العولمة الاقتصادية) تحولت رؤوس الأموال إلى البحث عن السكن في البلاد التي تمنح عائدا أكبر مع وجود مخاطر أقل, دون النظر إلى مدى إنتاجية المشروعات المشاركة فيها رؤوس الأموال, ومن هذه الناحية فإن الولايات المتحدة أفضل مكان, حيث يمكن لرأس المال أن يتحرك بحرية كبيرة دون أن يواجه مخاطر الخسارة, وهذا ناتج عن (الحرية) الكبيرة التي يتحرك بها المضاربون, أو حتى على صعيد التعامل مع المشروعات الإنتاجية التي يفقد العمال فيها الكثير من الحقوق التي تلتزم بها رؤوس الأموال في دول الاتحاد الأوروبي التي لا تزال النقابات العمالية فيها قوية, وتدعمها قوانين رسمية تقيد من حرية رؤوس الأموال في المضاربة أو التهرب من مواجهة مطالب العمال في المشروعات الإنتاجية. وهناك من يرى أن وجود الولايات المتحدة على قمة هرم التكنولوجيا الجديدة جعلها سوقا رائجة لرؤوس الأموال الباحثة عن وسائل إنتاجية جديدة, يمكن من خلالها تحقيق مكاسب سريعة من خلال وسائل وأدوات إنتاجية تتطور بسرعة. فيما أشار البعض الآخر إلى أن سبب عجز (اليورو) عن مواجهة الدولار هو تشكك المتعاملين به تجاه عملة يتعاملون معها ولا يرونها أو يلمسونها بأيديهم, أو يشعرون بوجودها في جيوبهم, لأن اليورو حاليا لا يعدو كونه رقما تضعه البنوك في حسابات مواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أنه معادل لأرقام الأرصدة بالعملات الوطنية, مما يجعل المواطن لا يشعر أن لليورو في رصيده معنى, بل أن كثيرا ما يصيب هذا الرقم بعض المواطنين بالذعر, لأنه يقلل كثيرا ما اعتادوا عليه من أرقام في التعامل اليومي في بعض الدول الأوروبية, كأسبانيا وإيطاليا واليونان. في أسبانيا مثلا التي يحقق اليورو الواحد فيها مقابلا لما يزيد قليلا على 166 بيزيتة, فالمواطن الذي اعتاد على رؤية رصيد حسابات بملايين البيزيتات, تحولت هذه الملايين بفضل اليورو إلى عدة آلاف فقط من (اليورو) , وهذا فارق نفسي مفزع لمن اعتاد على التعامل بالملايين أن يقبل التعامل مع عدة آلاف مساوية لتلك الملايين التي تعامل معها طوال حياته. لكن أفضل تحليل في رأينا هو ما أشار إليه أحد الباحثين الاقتصاديين الأسبان, والذي يرى فيه أن العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) عبارة عن (كرة قدم) في ملعب يوجد به فريق يتناقل تلك الكرة بين أقدامه, وكلما ازدادت الركلات التي تضرب الكرة ازدادت سخونتها وتنقلت بسرعة, إضافة إلى أن الفريق إذا يلعب بطريقة لعب معينة يمكنه أن يسجل أهدافا كثيرة, وتحقيق النصر بأسرع الطرق. جاء ميلاد العملة الأوروبية الموحدة قيصريا وقبل موعده, وعندما تم وضعها على أرض الملاعب الدولية لم يكن شكلها واضح المعالم, إضافة إلى أن فريق كرة القدم في العملة الأوروبية الموحدة لا يلعب بطريقة لعب واحدة, بل لكل لاعب من اللاعبين الذين يمثلون الدول الأعضاء المشاركين في الدول المنضمة إلى هذه العملة, بالمناسبة عددهم 11 دولة تماما كعدد فريق كرة القدم الرسمي, يلعب منفردا ودون تنسيق مع الآخرين, لذلك فإن هذه العملة أصابها التراخي نظرا لكسل كل لاعب في التعامل معها, وافتقار الجميع إلى الخطة الفنية التي تجعل من العملة هدفا يحقق أهدافا واحدة. يضاف إلى هذا كله أن العملة تستمد قوتها من قوة الجنسية التي تمثلها, وفي هذا المجال فإن التجارب أثبتت أن أوروبا في مجال السياسية الدولية لا تزال بعيدة عن أن تمتلك تلك القوة التي كانت متوقعة لها عندما بدأت تمارس بالفعل موقعها على الساحة الدولية كقوة موحدة. وأثبتت أزمات دولية جرت على أرض أوروبا نفسها أنها لا تزال بعيدة عن إثبات أنها قوة سياسية يمكن أن تدعم قوتها الاقتصادية وبالتالي العملة التي تمثلها, والأزمات التي عاشتها يوغسلافيا بحربيها, حرب البوسنة والهرسك وحرب كوزوفو, أثبتت أن أوروبا لا تزال بعيدة عن أن تكون قوة حقيقية مؤثرة على الساحة الدولية, بل لا تزال تعتبر تابعا للولايات المتحدة التي تؤدي دور الريادة منذ الحرب العالمية الثانية. أيضا لم تثبت أوروبا وجودها في منطقة حساسة ومهمة مثل الشرق الوسط بقضاياه المعقدة, فخسرت قوة كان يمكنها أن تكتسبها من خلال تحويل عوائد مهمة مثل عوائد النفط إلى العملة الموحدة أو على الأقل التعامل من خلالها إلى جوار الدولار الأمريكي, الذي يعتبر سيد العملات في تلك البلاد الغنية, والتي بدأ بعضها التحول تدريجيا إلى اقتصاديات أخرى, استعداد لإيجاد بدائل لعوائد النفط. كل هذه العوامل مجتمعة ربما كانت وراء ضعف العملة الأوروبية الموحدة خلال عام ونصف من وضعها موضع التنفيذ, ويجعل مواجهتها للدولار الأمريكي مواجهة غير متكافئة. على الرغم من التفاؤل الذي يتحدث به المسئولون عن البنك المركزي الأوروبي, فإن معظم المحللين يرون أن اليورو سيظل على ضعفه حتى يتم إزالة بعض تلك الأسباب, وأولها أن تثبت أوروبا أنها قوة سياسية إلى جوار قوتها الاقتصادية, وثانيها أن يتم تداول هذه العملة فعليا بين أيدي المتعاملين في الأسواق. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا.