بقلم: عمران سلمان رواية الكاتب السوري حيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر) التي لم أقرأها شخصيا وأعتقد ان معظم الناس لم يقرأوها أيضا, باتت هي الأخرى وليمة لجدل سياسي واجتماعي وثقافي ما انفك يدور في الساحة العربية منذ مطلع القرن الماضي. هذا الجدل الذي يتخذ له تارة عنوان (بين المحافظة والتجديد) وتارة أخرى (بين الحداثة والتراث) أو (بين الأصالة والمعاصرة) ... إلخ. وقراءة الرواية أو عدم قراءتها باعتقادي لا تغير من الأمر شيئا. لان المشكلة ليست في هذه الرواية بالتحديد, أو غيرها من الروايات, فهي في أفضل الأحوال ليست أكثر من جسر أو أداة للتعبير عن ذلك الجدل وإن بطريقة أخرى. بمعنى انه لن يفيد أن تقول لهذا الشخص أو ذاك, اقرأ الرواية أولا قبل أن تنتقدها أو تحتج عليها. لأن معظم الروايات التي تعرضت لهذا النوع من التعامل كان قد مضى على نشرها أصلا سنوات كثيرة. وفيما يتعلق برواية حيدر حيدر فقد نشرت لأول مرة عام 1983. ومن الطبيعي أن سبعة عشر عاما, تعتبر كافية للتمحيص والتدقيق فيها, لو كان الأمر متعلقا بها, وليس بشيء آخر. والجدير بالذكر ان الذي أثار الموضوع مقالة نشرت في صحيفة (الشعب) الناطقة بلسان حزب العمل ذي التوجه الإسلامي. ولذلك من المستبعد والحالة هذه أن تكون هذه الضجة قد حدثت لمجرد نشر تلك الرواية, أو المقالة التي انتقدتها. الأرجح ان هذه المقالة كانت اشارة الانطلاق ليس إلا, وقد تلقاها آخرون وشرعوا في تحويلها إلى فعل سياسي احتجاجي, سرعان ما أربك المجتمع كله وكشف عن تناقضاته. لذلك فأنا أعتقد ان التفتيش في الرواية نفسها لاثبات صحة المؤيدين أو المعارضين هو عمل لا طائل من ورائه. وكذلك الأمر مع اللجان التي شكلتها الحكومة المصرية للنظر في الرواية. فهي مجرد اضاعة للوقت واحراج المزيد من الناس, ما يجبرهم على الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك. بقي أن أشير قبل الحديث عما نحن بصدده, إلى السذاجة المفرطة لأولئك الذين أمسكوا العصا من النصف, وراحوا يطالبون الروائيين بعدم التعرض لمشاعر الناس وعدم اطلاق العنان لما يسمى حرية الابداع المتحررة من كل قيد من جهة, ومن جهة أخرى يطالبون منتقديهم بألا يتعرضوا لحرية التعبير وأن يرتقوا بلغة الحوار والنقاش. أقول ان هؤلاء سذج, لانهم يعتقدون بأن المشكلة هي في اطلاق نصيحة هنا أو موعظة هناك, فيحل الهدوء والطمأنينة والانسجام! أعود فأقول ان المشكلة لا تكمن في رواية (وليمة لأعشاب البحر) نفسها أو في غيرها من الروايات. وإنما في الجدل القديم الذي لم يحسم حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه المجتمعات العربية في سبيل تقدمها الحضاري. هل هو طريق التحديث والاندماج في اطار الحضارة الحديثة بمضامينها الغربية, بما في ذلك الأخذ بالديمقراطية وفصل الدين عن الدولة, أم هو طريق تأكيد الذات وبناء نموذج حضاري خاص مغاير لما هو موجود في العالم الغربي انطلاقا من الدين والتراث. إن هذا الجدل, كما أسلفنا, مستمر في المنطقة العربية منذ قرابة قرنين ولا يزال حتى اليوم وإن بأشكال ومضامين مختلفة. وبشكل من الأشكال يمكن القول انه صراع مفتوح يمكن أن تستغل فيه بضعة أسطر وردت في رواية أو صفحة في كتاب أو مقابلة أو أغنية أو مسرحية... إلخ. وفي مصر وحدها (باعتبارها أكبر تجمع بشري عربي) بلغت القضايا التي أثير حولها جدل ولغط, العشرات. وهي تراوحت مثلا بين روايات (نجيب محفوظ) وبين كتب (نصر حامد أبو زيد وفرج فودة وحسن حنفي... إلخ) وبين أفلام سينمائية (يوسف شاهين) وبين أغاني (محمد عبدالوهاب, عبدالحليم حافظ). أما في البلدان العربية الأخرى فخلال الأعوام القليلة الماضية فقط شهدنا عددا من القضايا التي قدم بعضها للمحاكم مثل (أحمد البغدادي والكاتبتين ليلى العثمان وعالية شعيب في الكويت, ومارسيل خليفة في لبنان). وأتوقع شخصيا أن يستمر هذا الاتجاه في صعود وتكاثر مضطرد, لا لشيء سوى ان الفكر الديني عموما وليس (الدين نفسه) يعيش اليوم في وقت تزداد الضغوط والتحديات من حوله, ان كان لجهة العولمة أو التطورات العاصفة في مجالات الاعلام والاتصال, وان كان لجهة التطورات الداخلية المتأثرة بهذه التطورات. وهذا ما يفسر شراسته المتزايدة وفي الوقت نفسه لجوؤه إلى استخدام جميع الوسائل والأساليب لتأكيد حضوره. وفي هذه المعركة المصيرية لن يتردد هذا التيار في مواجهة كل من يقف في طريقه إذا تطلب الأمر. ولعل ردة الفعل على رواية الأديب السوري حيدر حيدر, توضح لنا المدى الذي قد يذهب إليه. فمن الصعب تخيل ان رواية (مهما بلغت درجة الاعتراض عليها) يمكن أن تفجر هذا الغضب وتقذف في الشارع بآلاف الناس, يتظاهرون ويحتجون, وبآخرين غيرهم (في الأزهر والبرلمان والصحافة وعلى منابر المساجد وداخل مؤسسات الدولة) يعربون عن تنديدهم بالرواية ويطالبون بمصادرتها وحرقها! لذلك أتصور ان هذه المعركة لم تكن عادية. وإنما من خلالها يراد تحديد مفهوم الثقافة ومفهوم الأدب. أحد أهداف هذه الحملة إذن هو اعادة وضع الاشراف على شئون الثقافة عموما في أيدي المؤسسة الدينية. وهذا ما يفسر الهجوم الشرس ضد وزير الثقافة المصري فاروق حسني, وضد وزارته. حيث تسربت خلالها الكثير من الاشارات والاتهامات للوزير بتبديد أموال الدولة ونشر الفسق والكفر في المجتمع, وتحويل وزارته إلى وكر للعلمانيين... إلخ. وأنا هنا لا أجري شخصيا محاكمة أخلاقية لهذا التيار, ولا أناقش ما إذا كانت أهداف هؤلاء مشروعة أم غير مشروعة. فالواقع انه إذا انتصر هؤلاء في معركتهم فسيخرج الكثيرون رافعين رايات التأييد لهم - جريا على عادة أغلب البشر في التعامل مع المنتصرين - ومرددين معهم بأن ما فعلوه كان ضروريا للذود عن حياض الدين وعن القيم الصحيحة في المجتمع... إلخ, وقد بدأ فعلا بعض من هؤلاء يخرجون ويجاهرون بذلك وان على استحياء, تاركين نصف الباب مواربا للرجعة. أما إذا فشلوا في معركتهم, وهو الأرجح, فإن الكثيرين سوف ينفضون من حولهم, معتبرين - أيضا جريا على عادة معظم بني البشر في التعامل مع المهزومين - ان هؤلاء كانوا متسرعين وطائشين, قذفوا بأنفسهم للتهلكة, وسعوا لتدمير ما حولهم دون طائل. أعود لأقول بأن هذا الصراع ينبغي أن ينظر إليه من زاويته الصحيحة, وهي زاوية الاختلاف, بل التناقض بين الداعين للمضي في قطار الحداثة وبين المقاومين لذلك. ومن سوء حظ حيدر حيدر أو ربما حسن حظه (لا أدري شخصيا) ان روايته (وليمة لأعشاب البحر) قد علقت في شباك القوى المناهضة للحداثة, وراحت هذه تستخدمها طعما لاصطياد المجتمع المصري والمجتمعات العربية من بعده. ومن الواضح ان هذه الشباك التي قد نصبت بحذق, سوف تصطاد مستقبلا الكثير من الروايات والنصوص على اختلافها, فهي وقد فشلت في معركتها مع الأنظمة العربية فإن معركتها هذه المرة ستكون مع الكتاب والمثقفين والفنانين.