تكتبها: عائشة ابراهيم سلطان العناوين الرئيسية في الصحف الصادرة في (اسرائيل) الأيام الماضية تعبر بصراحة عن فرحة الجنود الاسرائيليين العائدين من أرض الرمال المتحركة التي كادت تبتلعهم حتى آخر فرد فيهم لو بقوا أكثر من ذلك في أرض الجنوب اللبناني. ولذلك يصرخ الاسرائيلي المنقوع في ذل التيه والجبن منذ الأزل: افرحي يا أمي فقد عدنا من لبنان! ويصرخ ذلك الجنوبي الجميل الشارب من كأس الوطن حتى نهاياته: افرحي يا أمي فقد وفينا بالوعد وحررنا الأرض. وفرق بين الرجلين والأمين والقضية. وفي كل الدنيا يتباهى الجميع بأنهم أصحاب قضايا, ويفني الكثيرون أعمارهم في محاولة اقناع الآخرين بعدالة قضاياهم, دون أن يتجاوزوا حدود الزعيق وايذاء الاذان وتلويث الفضاء, لأن القضايا العادلة لا تحتاج زعيقا بقدر ما تحتاج أن يقتنع بها أصحابها فيدفعون بها إلى حدود المحال, حتى لو كلفهم ذلك حياتهم. ما هي قضية الجندي الاسرائيلي في جنوب لبنان وفي فلسطين وفي الجولان؟ هل له قضية عادلة هناك يستشعرها ويتفانى في سبيلها حقا؟ إذن لماذا جرى فرحا إلى أحضان أمه بمجرد أن أشارت له رئاسة أركان جيشه بالخروج من لبنان وكأنه غير مصدق لهذا الفرج الذي تمناه طويلا؟ لا تستطيع أن تشتري وطنا, ولا أن تستعير قضية, لان استحقاقات الوطن غالية جدا ولا تستدعي الهرب عند أول اختبار كما فعل جنود اسرائيل في الأيام القليلة الماضية. المؤسف حين يكون لدى المرء وطن ثم يتنازل عنه بسهولة تحت مظلة الخيانة المثقوبة وغير الواقية أبدا. مشهد اللحديين وهم يحيطون بزعيمهم وقائد مسيرة خيانتهم العظمى كان مؤسفا ومخجلا, كانوا يطلبون ضمانات الحياة ما بعد الانسحاب, يطلبون ثمن الخيانة, كانوا يصرخون به حتى كان واضحا صوت ذلك اللحدي الذي كان يقول: نحن لم نتوقع أن يفر الاسرائيليون ويتركوننا هكذا دون ضمانات, فما كان من زعيمهم سوى أن حرك يديه بغضب وركب سيارته وفر تاركا إياهم منغمسين أكثر في حيرة الخزي الأبدي. ما هو شعور الخائن اللحدي في لحظة الانتصار؟ أيمكن أن يحل عليه ندم مفاجئ ؟ أيمكن أن يكره هذا الانتصار لبلاده؟ أيمكن أن يتمنى شيئا آخر غير الموت خلاصا من الذل والعار؟ لقد سموا أنفسهم بـ (اللحديين) واللحد هو القبر, وهكذا (قبروا) أنفسهم منذ الميلاد وحتى الموت في عار الخيانة فاستحقوا لعنة الوطن. الآن سينتظر الجنوبيون ردات فعل المنهزمين, الذين حركوا آلتهم العسكرية منذ 22 عاما ليصطنعوا لأنفسهم شريطا آمنا, اخترعوا لأجله دويلة عميلة وميليشيات خائنة, وردات الفعل قد تضبطها القوات الدولية, وقد تحد منها جاهزية ردات الفعل عند المقاومة, لكن أجمل ما في القضية كلها ان اسرائيل خائفة في حدودها الشمالية وسكان المستعمرات يضعون رجلا في بيوتهم والأخرى في الملاجئ, وكما يقول المثل (طباخ السم لازم يذوقه) فليذوقوا الخوف حتى الأبد فالجنوب تحرر ولا مجال للمزايدات على دور المقاومة هناك أبدا.