دفعت كل هذه السلبيات الداخل الفلسطيني الى الكف عن تعليق الامل على الخارج الفلسطيني, خاصة بعد ان توالت سلبيات هذا الخارج في التجلي, فمن انشقاق (فتح) صيف 1983 الذي بدال املا تعلقت به قطاعات واسعة من شعبنا, قبل ان يحبطها اداء هذا الانشقاق, الى ابتعاد الكتلة الرئيسية للمقاتلين الفلسطينيين عن الحدود مع فلسطين المحتلة الاف الكيلومترات, الى اتفاق عمان فبراير 1985. كما اسقط الداخل الفلسطيني النظام العربي من حسابه, بعد ان هبط الاخير بمنزله القضية الفلسطينية, درجات من سلم اولويات العمل العربي. داخليا كان حطب السخط الشعبي الفلسطيني يتراكم. شيئا فشيئا, حتى اذا واتته شرارة مقتل ثمانية عمال عرب فلسطينيين, قرب حاجز ايريز في قطاع غزة (8/12/1987) اندلعت النيران في الحطب الجاهز, فعدا عن الكرامة الوطنية النازفة, بسبب الاحتلال الاسرائيلي الذي طال امده, واشتداد فزع الشعب على مستقبله, ومصير وطنه, ثمة عسف الاحتلال الفاشي في غير ما مجال, وتسخير اقتصاد المناطق المحتلة لخدمة الاقتصاد الاسرائيلي, واستباحة سوق تلك المناطق, ممازاد في تشويه اقتصادها, وتهميش الحضور الوطني الفلسطيني, فالاقتصاد كما هو معروف اساس الاستقلال الوطني. الى ذلك عمد المحتل الى تجويع شعب الضفة والقطاع, وتعطيشه وتجهيله, والعمل على تركيعه. كما دفع المحتل صناعة الضفة والقطاع, وزراعتهما, وتجارتهما خطوات واسعة الى الخلف, الامر الذي تعزز مع تزايد ضعف البنية التحتية وغياب البنوك العربية, مما وثق تبعية اقتصاد الضفة والقطاع للاقتصاد الاسرائيلي فأفلست مؤسسات صناعية, وضمرت اخرى, ووقع ما تبقى تحت رحمة السوق الاسرائيلية, التي اضعفت قدرة الاقتصاد المتواضع في الضفة والقطاع عن التطور. فضلا عن اضطرار عمال الضفة والقطاع للعمل في السوق الاسرائيلية وبشروطها, سواء في العمل الاسود, او بأجور متدنية (يتقاضى العامل الفلسطيني نصف ما يتقاضاه نظيره الاسرائيلي) , او بضمانات اقل, ما قلل فرص انخراط العمال في النقابات واضعف وعيهم الطبقي, ونضالهم المطلبي ومن باب اولى كفاحهم السياسي. كان يمكن لتزايد العمل المأجور, على حساب الزراعة, (والموظفين لانفسهم) , وارباب العمل, والاستثمارات العائلية, ان يدفع اقتصاد الضفة والقطاع الى امام, لو لم يكن هذا الاقتصاد يرزح تحت نير الاحتلال. رغم هذا كله عجز المحتل عن خلق قاعدة اجتماعية له ومن جهة اخرى فإن البورجوازية المحلية افتقدت الروابط الاقتصادية الداخلية فيما بينها, كما افتقرت الى جهاز انعاشها المصرفي وان نمت فئات وسطى, بعد ان ان غدا التعليم اداة للحراك الاجتماعي الذي وسع القاعدة الاجتماعية (للخيار الفلسطيني) على حساب قاعدة (الخيار الاردني) وقاعدة استمرار الاحتلال, فاشتدت مقاومة الاحتلال وسالت فيها الدماء وان ادت سيادة الخط (المؤسساتي) الى نمو اتجاهات التعامل البيروقراطي في الضفة والقطاع, مما دفع دور المؤسسات خطوات واسعة الى الخلف, لحساب حركة الجماهير, التي ابدعت (اللجان الشعبية) منذ اللحظات الاولى لاندلاع الانتفاضة. حدث ولاحرج, عن الاساليب الفاشية للمحتل الاسرائيلي, التي تمثلت في اشكال العقاب الجماعي, من نسف البيوت, الى حملات الاعتقال, ناهيك عن قتل المواطنين, بالجملة وبدم بارد, من قبل المستوطنين, عدا اقدامهم على احراق مزارع الفلسطينيين, وخطف ابنائهم, والاعتداءات المتكررة على المساجد, والكنائس, واضرحة الاولياء, وقبور الشهداء. لعل من فضلة القول ان اولئك المستوطنين افراز طبيعي لمجتمع فاش, قام على اغتصاب حقوق الغير, ورضع الافكار العنصرية, والشوفينية, منذ عقود, اي ان اولئك المستوطنين ليسوا نتوءا شاذا, او حفنة من المتطرفين في مجتمع (معتدل) او (ديمقراطي) ! اما الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة فقد استمرأت سياسة (العصا والجزرة) تجاه شعب الضفة والقطاع, وقودها تجميد الخدمات الاساسية, ومعها النشاط الاقتصادي, بالحد الادنى من الكلفة والمستخدمين مع تجنب المواجهة مع المواطنين وضبط مقاومتهم المدنية عند الحد الادنى, ناهيك عن قمع المقاومة المسلحة وعزلها عن المواطنين. اندلاع الحريق مثلت الانتفاضة الانفجار الحتمي لصراع النقيضين الذي استمر مشتعلا متصاعدا, منذ بدء الاحتلال, رغم بعض الهبوط المؤقت, انها الثمرة الناضجة للوعي الوطني العالي. لقد اندلعت الانتفاضة, بعد مؤشرات تلتقطها العين المجردة, فخلال عام 1987 تصاعدت الاعمال الفلسطينية المسلحة, في الضفة والقطاع, وقعت النسبة الاكبر منها خارج نفوذ الفصائل, وفي ليلة 25/11/1987 هاجمت طائرة شراعية للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة معسكرا للجيش الاسرائيلي, واوقع الهجوم خسائر غير قليلة في جنود المعسكر, فكان هذا الهجوم اخر لمسة تحضير للانتفاضة, جراء الجريمة المعنوية الكبيرة, لشعب الضفة والقطاع جراء الغطرسة الاسرائيلية, في الوحل. لقد اتسمت الانتفاضة بزخم جماهيري ضخم, جراء تمتعها باجماع طبقي لافت لكنها اخذت في التراجع المطرد, بعد اندلاعها بأشهر عدة, تحت التأثير السلبي لجملة من الاسباب في مقدمتها: * احساس شعب الضفة والقطاع الصادق بتورط قيادة الخارج في مساومة مبتذلة مع اسرائيل, واسيادها في البيت الابيض. * ظهور رأسين للانتفاضة (القيادة الوطنية الموحدة (قاوم) و (حماس) عدا الرأس الثالث الخارجي ذاك. * التدخل الفظ لحماس ضد مشاركة المرأة في الانتفاضة. * افقاد (اللجان الشعبية) مصدر قوتها الاساسي, بمجرد ان عمدت الفصائل الى محاولة الهيمنة على هذه اللجان. * افتقار الانتفاضة الى الدعم الضروري بالنار, من قبل فصائل الخارج. * انفلات الاغتيال السياسي من عقاله. * وهن العامل العربي, وعزوفه عن تقديم الدعم الفاعل للانتفاضة. * اندلاع حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) التي تركت تداعياتها الكارثية, آثارا مدمرة على الانتفاضة. * انهيار صديق القضايا العربية (المعسكر الاشتراكي 1989) وانفراط عقد رأسه, الاتحاد السوفييتي بعد سنتين. الحصاد قطرت الانتفاضة مجتمع الضفة والقطاع خلفها, ومع هذا المجتمع قيمه, وعلاقاته, بتفاوت في الدرجة, مع اختلاف الموقع الجغرافي, والطبقي والعمري, والنوعي (الجنسي) حيث لم يكن ثمة مفر من تطور المجتمع, والانسان, والصور الاجتماعية, استجابة للتنظيم الذاتي, الذي ارتقى اليه الشعب, من خلال لجانه الشعبية, التي اشرفت على الشئون العامة للناس, وسرت امور تنظيم الانتفاضة, ومقاومة الاحتلال, عدا عن معالجتها المشاكل التي اخذت تنشأ بين الناس. لقد افرزت متغيرات الانتفاضة قيما, وعادات وتقاليد جديدة ايجابية, في مجملها, ونما وعي الصغار, على نار الانتفاضة. الى ذلك وفرت الانتفاضة بنية تحتية عريضة, لحياة مستقلة عن اسرائيل, عبر اجهزة طبية, وزراعية, وتربوية, فضلا عن بدائل محلية لقسم كبير من المنتجات الاسرائيلية, بالاقتصاد المنزلي الذي استحدث بتوسع وهذا الكاتب الاسرائيلي المعروف, ديفيد غروسمان يلاحظ بأن (الفلسطينيين يتجددون, يعيدون احياء انفسهم) . اما التغير الاكبر, فتجلى في الاسرة, التي غدت تقدم شتى الخدمات, فيما تحول البيت الى مدرسة, مع تمرد الاطفال, والفتيان على النظام, وقد توطدت الروابط الاسرية, وروح الفريق, والمساواة الاجتماعية, وسادت مظاهر التضامن والتكافل, وتراجعت كثيرا معدلات الطلاق, وبدأ كأن عصر التوزيع الجائر للعمل داخل الاسرة قد ولى, واكسبت الانتفاضة الجميع العزة. والتشبث بالحق والتحدي البناء, وتخلت الاسرة عن الكثير من مظاهر الاستهلاك في حفلات الزفاف, فاخذت المادة والمنفعة في التراجع, كمعيار, لحساب المشاعر الوطنية, والقضية العامة, كما اجتاحت الانتفاضة كل القيم الفاسدة, التي زرعها الاحتلال, باختصار لقد استحدثت الانتفاضة قيما جديدة وطورت قيما اخرى قديمة, وبهذا كله توفر لمجتمع الضفة والقطاع فرصة ذهبية للتطور. لقد ازدادت حجم العلاقات الاسرية اولا بفعل ساعات الفراغ الطويلة, ومنع التجول, التي وفرت فرصا اطول للحوار, وثانيا تحت الضغط النفسي العام, وثالثا فان تردي الاحوال المعيشية رتب على الزوجين مسئوليات اكبر, فاستجدت نظرة اكثر جدية للحياة الزوجية, ورفع مرتبة المرأة, وتم تفهم موضوعي للمرأة العاملة, وفخر بالمنشطات النقابيات والسياسيات, فقد شاركت المرأة بكل الانشطة, على نحو يفوق الرجل. مع هذا الكنز الكفاحي, عجز المتنفذون في الخارج عن تثمير الانتفاضة.