يظل مشهد عملية الانسحاب الاسرائيلي من اراضي الجنوب اللبناني تحت وابل من ضربات مقاتلي المقاومة الشعبية اللبنانية مشهدا مؤثرا حيث يتخلى الاسرائيليون في اندفاعهم المحموم عبر الخط الحدودي عن حلفائهم اللبنانيين من عناصر القوة العسكرية العميلة التي خلقتها اسرائيل اصلا ويطلق عليها (جيش لبنان الجنوبي) بقيادة انطوان لحد. هذا المشهد, رغم دراميته ليس نادرا. فالتاريخ يذخر بمشاهد اللحظات الفاصلة الاخيرة عندما يتراءى لقوة كبرى ان الوقت قد حان للتخلي عن قوة صغرى تابعة قد نفدت صلاحيتها ولم تعد القوة الكبرى بحاجة اليها. ومن أقرب الامثلة التاريخية القريبة تنكر الامريكيين لعملائهم من الفيتناميين في عام 1975 عندما قررت الولايات المتحدة اخيرا الانسحاب نهائيا من فيتنام كعلامة بقبول حقيقة الهزيمة. كان مشهدا عجيبا يرويه بصدقية مهنية مثيرة أحد شهود العيان من الامريكيين الذين بقوا في عاصمة فيتنام الجنوبية (سايجون) حتى اللحظات الأخيرة لعملية الانسحاب. الراوي هو فرانك سنيب مدير محطة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية في سايجون آنذاك. لقد نشر سنيب قبل نحو ثلاثة شهور كتابا يتضمن مذكراته عن قصة امريكا والهزيمة في فيتنام بما في ذلك تفاصيل عملية الانسحاب النهائية. بناء على تلك العملية جرى تصفية الوجود الامريكي بكل اشكاله, عسكريا وسياسيا واستخباراتيا, في أنحاء فيتنام الجنوبية في سباق رهيب مع الزمن.. ومع زحف قوات الثوار الفيتناميين. وما يرويه سنيب يتعلق بما كان يجري في العاصمة سايجون.. باعتباره الفصل الختامي في عملية الانسحاب الامريكي. يقول سنيب: (كنت جالسا الى جوار اجهزة اللاسلكي في الطابق الاعلى للسفارة الامريكية ارصد تدفق الرسائل الاستخباراتية الواردة من عملائنا الفيتناميين في مختلف المواقع. كنت اسمع اشخاصا من العملاء الذين تخلت عنهم القوات الامريكية في مختلف نقاط الانسحاب. كانوا يقولون: أنا فلان, لقد خدمتكم لفترة سنوات. أنقذوني! ولم يكن في الامكان انقاذهم.. فكانوا يصيحون بأن الاستخبارات الامريكية تخلت عنهم) . ما بين فيتنام بالأمس وجنوب لبنان اليوم لا تختلف الخطوط العريضة للمشهدين.. وقطعا لا يختلف المغزى والجوهر والموعظة. ففي المشهد الفيتنامي اهتم الامريكيون فقط بانقاذ الحاكم وأسرته مع صفوة النظام خاصة من العسكريين, تاركين جمهرة العملاء الاخرين لمصيرهم مع الحكومة الثورية المستقبلية في فيتنام. الان.. في مشهد الانسحاب الاسرائيلي من اراضي الجنوب اللبناني, لم يهتم الاسرائيليون الا بقائد العملاء العميد لحد وصفوة كبار ضباط الجيش العميل وأسرهم.. تاركين الجمهرة من الجنود اللبنانيين امام خيار اوحد: تسليم انفسهم الى (حزب الله) ليواجهوا بعد ذلك مصيرا هو في افضل الاحوال مجهول. وبمشاعر الندامة يتمنى الأتباع في حسرة لا مزيد عليها لو تعود الدنيا ليتبرءوا من اسيادهم. ويا لها من موعظة لو يتعظ الناس.