ونختم بهذه الحلقة من السلسلة الثلاثية جولات نظرة الطائر السريعة أو هي الخاطفة التي حاولت ان تلم بأبعاد ( المشهد العالمي) الراهن ومن خلال الأرقام والجداول والاحصاءات التي جهدت في جمعها وتبويبها وتصنيفها مؤسسة الايكونومست البريطانية، ثم نشرتها في مطبوعها السنوي (العالم في أرقام عن سنة 2000) وبالمناسبة فقد استندت الايكونومست في هذه الدراسة الاحصائية الموجزة والشاملة الى 60 مصدرا يأتي على قمتها مراجع منظمة الأمم المتحدة بمؤسساتها ووكالاتها الرئيسية مابين البنك الدولي, الى برنامج الأمم المتحدة الانمائي الى صندوق النقد الى منظمة العمل الدولية فضلا عن المؤسسات المتخصصة مثل (اليونسكو) العلوم والثقافة (واليونيسيف) الطفولة (والفاو) الأغذية والزراعة الى جانب هيئات دولية محضة في التخصيص ونتصور أن لابد لها أن تشكل محاور للقارئ والمثقف العربي المعاصر ومنها مثلا المجلس الدولي للحبوب والاتحاد الدولي للسكر واللجنة الدولية للشاي والمنظمة الدولية للمنسوجات الصوفية والجماعة الدولية للمطاط والاتحاد الدولي للطرق والمؤسسة المالية الدولية (وهي ثالث مؤسسات التمويل الدولي ويسبقها كل من البنك والصندوق) السلع .. الطاقة والعمل وبسبب قيود المساحة المتاحة لهذا المبحث فقد آثرنا أن نوجز حصيلة نظرة الطائر الرقمية التي ألقيناها مع الايكونومست على مسرح الاقتصاد والنشاط البشري في عالم اليوم. ضمن نقاط ومجالات نحاول بلورتها على الوجه التالي: ** مجال السلع الأساسية : أكبر 10 منتجين للقمح تتصدرهم - ولا غرو - الصين ويليها الاتحاد الأوروبي بدوله الخمس عشرة أنظر وتأمل في قوة الوحدة بين دول وشعوب في غرب أوروبا لاتجمع بينها آصرة لغة ولا وحدة ثقافة ولا عقيدة ولا تاريخ بل هو - إن شئت الحق - تاريخ حافل بالصراعات الدموية أحيانا بين تلك الأوروبية وشعوبها وبعض هذه الصراعات دام مائة عام تقل أو تزيد لكن للوحدة من حيث رؤاها وارادتها ومؤسساتها وجدية العمل من أجلها بعيدا عن البلاغيات والشعارات فعل السحر في وضع الشعوب باقتدار وامتياز على خريطة القوة والتأثير في عالمها وعصرها.. وتلك - لعمري - قصة أخرى لها مجالها باذن الله. وبعد الاتحاد الأوروبي تأتي جارتنا الآسيوية الهند ثم يليها كل من أمريكا وروسيا وكندا واستراليا على وجه الترتيب . أما أكثر الدول المستهلكة للقمح فهي - وياللغرابة الصين أيضا وبعدها كذلك الاتحاد الأوروبي ثم الهند وروسيا وأمريكا .. ولكن يدخل ضمن مستهلكي القمح بلدان يهمنا امرهما وهما ايران ثم مصر . ** بالنسبة لانتاج الطاقة وهي كما لايخفى على فطنتك عماد النشاط الصناعي بل والحضاري في زماننا - عمدت الايكونومست الى وضع قائمة من 30 دولة مرتبة حسب امكاناتها في انتاج الطاقة وعلى قمة هذه الدول تأتي طبعا أمريكا ويليها في المركزين الثاني والثالث كل من روسيا والصين ويلاحظ في نظرة الطائر التي ألقيناها أن الصين لاتلبث أن تتجلى بقوة ومنعة واقتدار - وبالأرقام طبعا - في معظم جداول القوى المبشرة الواعدة بالتقدم وعمق التأثير وسعة النفوذ على خريطة عالم القرن الوليد .. والمهم أن تأتي الشقيقة العربية السعودية لتحتل المركز الرابع لكبار منتجي الطاقة في العالم ومن بعدها كل من كندا (وتلك كانت مفاجأة لنا) ثم الهند وايران وفي هذا الجدول تأتي الامارات العربية المتحدة في المركز 14 وهو مركز متقدم على المانيا (15) والجزائر (16) وجنوب افريقيا (17) وفرنسا (18) ونيجيريا (20) وليبيا (25 ). ومن حيث تصدير النفط فان أكبر المصدرين هي روسيا ويليها مباشرة السعودية ثم النرويج ومن بعدها كندا فايران التي يليها مباشرة كل من فنزويلا ثم الامارات. في مجال العمالة: ثمة مؤشر ايجابي اعتمدته دراسة الايكونومست ويدل على مدى تمتع النظام والنشاط الاقتصادي في بلد ما بالعافية ويتمثل في نسبة السكان في البلد المعني المنخرطة في قوة العمل . وتلك بطبيعة الحال آية بالغة الدلالة على فعالية النشاط الانساني في البلد وعلى حجم وتنوع المهارات بين سكانه وحول كفاءة نظام التعليم الذي يزود هؤلاء السكان بتلك المهارات.. وكله, يدل على أن للبلد مستقبلا واعدا بفضل ما أدركه أهلوه من تقدير لقيمة العمل البشري وجدواه في دفع عجلة التقدم ومسيرة الحضارة الى الأمام . في هذا المضمار فان أعلى نسبة للسكان المشاركين في قوة العمل توجد في سنغافورة ويتلوها كل من الدانمارك وأيسلندا (المنسية الباردة في شمال الأطلسي) ثم سويسرا وتايلاند .. فيما تحتل اليابان المركز رقم 7 وتشغل أمريكا المركز رقم 10 وتأتي انجلترا في المركز 20. وقبل أن يخالطنا اليأس المحبط ونحن نلتمس اسما لبلد من ربعنا اليعربي نقرأه .. يسعفنا المركز 50 وهو آخر القائمة فنطالع فيه بلدا عربيا وحيدا هو البحرين الشقيقة حيث ينخرط نسبة 6.44 في المائة من السكان في قو ة العمل .. في عالم التجارة ودنيا الأعمال والاقتصاد تعرض أمامنا الأرقام التي بين أيدينا أكبر الموسوعات الناشطة والفاعلة - هل نقول المهيمنة في هذا الميدان . أمامنا اذن 40 مؤسسة تسيطر أو تكاد على عجلة النشاط الاقتصادي والانتاجي في عالم اليوم وتأتي على رأسها مؤسسة جنرال موتورز الأمريكية ويأتي عند ذيلها - في المرتبة 40 مؤسسة تكاسكو الأمريكية أيضا. وبعد جنرال موتورز في صدر القائمة نطالع مؤسسة فورد في المركز الثاني ثم مؤسسة ميتسوي اليابانية وبعدها ميتسوبيشي اليابانية ذات الماسات الثلاث في المركزين الثالث والرابع حيث تعقبهما مؤسسة أو مجموعة رويال وتشي - شل البريطانية الهولندية. والحاصل أنك تقرأ هذه القائمة الأربعينية حول أكبر فعاليات التأثير في دورة اقتصاد عالمنا المعاصر فاذا بالأمر وقد أصبح دولة بين الأغنياء منهم على نحو ما يشير التعبير القرآني الكريم .. تجد أن ثمة احتكارا لهذه الفعاليات بين بلدين أساسيين هما أمريكا واليابان .. لاتجد بلدا عربيا ولا بلدا في العالم الثالث ولا بلدا من شرق أوروبا ولا في أمريكا اللاتينية فقط يتكرر أسماء المؤسسات العملاقة التابعة لأمريكا واليابان ويتخللها - ربما من باب درء الحسد - مؤسسة المانية مثلا (ديلمر - بنز) أو ايطالية ( فيات) أو سويسرية (نسلة) أو كورية جنوبةي( دايو) و... دمتم ! وأكبر بنوك المعمورة ** أما أكبر بنوك العالم فيتصدر قائمتها بنك أو مؤسسة اتش اس بي سي البريطانية ويختم القائمة في المركز الأخير رقم 40 مصرف بانكو سانتا ندير الاسباني ويأتي في المركز الثاني مباشرة بنك أو مجموعة تشيز مانهاتن الأمريكية ثم بنك كريدي أجريكول الفرنسية ومن بعده مجموعة (سيتي كو) الأمريكية ويليها بنك طوكيو ميتسوبيشي الياباني ثم دويتش بانك الألماني ومرة أخرى فأكبر مصارف العالم محصورة في أمريكا وأوروبا الغربية يضاف اليها اليابان.. ثم الصين ( المرتبة 27) ولاعزاء للدول الأخرى.. ** في مجال السيارات.. تجد - وياللغرابة - أن لبنان يتصدر قائمة أكبر عدد سيارات مملوك لكل ألف من السكان وتجد أن مصر - للأسف - تشغل المركز رقم 8 من 80 أكبر خمسين دولة تقع فيها حوادث السيارات حيث أسوأ الحوادث تقع في ملاوي الافريقية ويليها كوريا الجنوبية ثم كوستاريكا في أمريكا الوسطى . أما تركيا فتحتل لاسفنا أيضا المركز السابع في حين تشغل سريلانكا المركز التاسع بالنسبة لحوادث السيارات وفي حين أن أقل بلد تقع فيه هذه النوعية من الحوادث التي ينجم عنها أضرار أو خسائر بشرية هو فنلندا في الشمال الأوروبي البارد أيضا . ** في مجال السياحة .. وقد أفردنا الحديث عنه ولو بتكثيف شديد لأنه, فضلا عن كونه واحدا من أكثر قطاعات النشاط الاقتصادي حيوية فهو أيضا دالة على فعالية قطاع الخدمات في هذا البلد أو ذاك وهذا القطاع بدوره مؤشر يدل في حد ذاته على حجم وكفاءة المهارات الوطنية في البلد المعني, فما نظن أن بلدا أو مسئولا عاقلا سوف يغامر يوما ويستورد مثلا مرشدين سياحيين يصحبون الزائرين الى المعالم القومية للبلد وأيا كان الأمر فها هو حديث الأرقام يقول لنا : - أن أ كبر بلد حظى بأكبر عدد من السائحين (على أساس حجم الوصول الى البلد) هو فرنسا ضمن 40 بلدا مرتبة في القائمة ويليها اسبانيا ثم أمريكا فايطاليا وانجلترا . وبالنسبة للأقطار العربية فالقائمة تدل - باسم الله ماشاء الله - 4 من بلدان العرب هي على الترتيب تونس (المركز 29) ومصر (المركز 34) والعربية السعودية (المركز 35) وضع في اعتبارك زيارات الحج والعمرة ثم المغرب (المركز 38) - أكبر السياح كرما في الانفاق هم المنتمون الى أمريكا ثم المانيا فاليابان وأشدهم حرصا هم أهل النرويج فاستراليا وكوريا الجنوبية . - فاذا جئنا ا لى بيت القصيد أو بالأدق بيت الأموال يعني أكبر عائدات للسياحة فإن القائمة تضم 20 بلدا حظيت أكثر من غيرها بأكبر حصائل من (بيع) خدمات السياحة والسفر والآثار والأرض والشمس الى زائريها .. والقائمة تضم على رأسها أمريكا التي بلغ دخلها السنوي من السياحة - حسب أحدث الأرقام المتاحة 240.74 مليار بالتمام والكمال (وليس بها آثار ولا معالم تاريخية يعتد بها والعبرة هنا بكفاءة قطاع الخدمات كما أسلفنا) ويليها في سخاء المدخول السياحي ايطاليا (وهي مقصد تاريخي وتقليدي للسياحة سواء بفضل آثار عصر الرنيسانس أو ليالي الجندول والجيتار والعشاق في قنوات فينسيا ومن بعدها تأتي كل من فرنسا واسبانيا ثم انجلترا ثم المانيا والصين)!. حكاية العمر المتوقع ** وثمة رقم يدل على ارتفاع مستوى المعيشة ونوعية الحياة من حيث الرعاية الصحية وغيرها ويطلق عليه أهل السكانيات والديمغرافيا العبارة التالية: *الأجل المتوقع للحياة بمعنى متوسط إعمار السكان.. وهو أجل متوقع احصائيا حيث حياة الانسان ملك لخالقه يستردها متى تشاء ارادته وحيث أن ليس للانسان إلا ما سعى .. والقائمة هنا تشمل 60 بلدا وأفضلها اليابان حيث الأجل المتوقع أو متوسط العمر يبلغ 80 سنة ويليها كل من كندا وايسلندا وتشغل أمريكا المرتبة 28 وتأتي الكويت قرب منتصف القائمة حيث متوسط العمر يبلغ 9.75 سنة وتليها بين الدول العربية الامارات (بمتوسط عمر يبلغ 8.74 سنة) في حين تأتي في ذيل القائمة بولندا بمتوسط يبلغ 5.72 سنة .. أما أقل الأقطار من حيث الأجل المتوقع فكلها تقع في قارة افريقيا للأسف الشديد وأسوأها سيراليون حيث لايزيد متوسط العمر عن 8.35 سنة (تصور! ) ويليها ملاوي وأوغندا ورواندا الى آخر القائمة الشديدة القتامة . أخيرا نأتي الى شهادة الايكونومست الاحصائية عن تكاليف المعيشة ويجسدها رقم قياسي أو مؤشر وقد قامت على أمر جمع المعلومات لهذا المؤشر ومعالجته احصائيا وحدة المعلومات التابعة للمؤسسة المذكورة وكانت النتيجة قائمة توضح أعلى الأقطار من حيث تكاليف المعيشة وتضم قائمة من 30 بلدا يأتي في أعلاها اليابان وسويسرا وفرنسا والنرويج .. وغابون (بلد في غرب افريقيا ونظنه عضوا في الأوبك) وبعدها انجلترا .. وتحتل أمريكا من حيث ارتفاع تكاليف المعيشة المرتبة(13) وتشغل اسرائيل المركز 17 ومع ذلك فنحن نطالع - في مفاجأة غير سارة كما نتصور بلدين عربيين في قائمة الأعلى من حيث تكاليف المعيشة وهما مصر( المركز 25) والبحرين (المركز 29). ليس بالخبز وحده ولأن الانسان لايحيا بالخبز وحده فدوننا آخر الاحصائيات التي نتناولها في هذه السطور وتتطرق الى البلدان التي شهدت اكثر مبيعات الكتب رواجا والقائمة التي بين أيدينا تضم 27 بلدا مرتبة حسب حصيلة بيع الكتب وتداولها والتعاطي معها وغير خاف أن التعاطي مع الكتاب مؤشر يدل على ارتفاع المستوى الثقافي والمعرفي للانسان وللمجتمع بشكل عام وهو مؤشر مركب كما قد نتصور إذ يشير أيضا الى حجم الاهتمام بالتعامل مع سائر أدوات الثقافة الأخرى من مسرح وسينما وميديا بشكل عام. وأمريكا تأتي على رأس قائمة أكبر مبيعات الكتب إذ دخل خزائنها نحو 5.24 مليار دولار في سنة واحدة (1998) وتليها اليابان التي حصلت مايقرب من 10 مليارات ومن بعدهما كل من المانيا وانجلترا والبرازيل وفرنسا . ومرة أخرى تحتل الصين من حيث رواج الكتاب ومبيعاته المرتبة العاشرة وتحتل الهند المرتبة 27 - الأخيرة وقد حصلت 342 مليون دولار من بيع الكتاب وإن كنا نتصور - إنصافا للهند - أن سبب هذا الحجم المالي المحدود قد يرجع الى أن الهند تعمد الى اصدار كتب زهيدة الثمن على ورق متهاود الأسعار ومن ثم فالرقم المتواضع قد لا يفصح عن حقيقة الكتاب الهندي لا من حيث حجم الرواج ولا مبالغ العائدات . تسألنا وأين الدول العربية .. نقول في أمانة مع النفس أن المسير طويل وأول خطواته أن نعرف على وجه التحديد حقيقة ما نحن فيه . ملحوظة مهمة : الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب الموضوع: (أمريكا بلغ دخلها السنوي من السياحة حسب أحدث الأرقام 240.74 مليار دولار وليس بها آثار ولا معالم تاريخية يعتد بها والعبرة هنا بكفاءة قطاع الخدمات)