برغم سنوات الحرب والفتنة والجفاف, ظل صوت فيروز يُذكّر دائماً بأن لبنان سيعود أخضر كقلب طفل, متوجاً بالكرامة وبالشعب العنيد, وها هو الجنوب يحقق بشارات الصوت الوفي الذي ظل يجدل بصبر وطهر اسطورة الجنوب مردداً: إسوارة العروس مشغولة بالدَّهب وإنت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب رسايل الغيَّاب مكتوبة بالسَّهد وأنت بالعز مكتوب يا تراب الجنوب وشو ما إجا شعوب, وشو ما راح شعوب كلن رح بيفلَّوا وبيبقى الجنوب وها هم شذاذ الآفاق, الغزاة الإسرائيليون (فلّوا) ذهبوا يتجرعون علقم هزيمتهم, بينما يحلق أهل الجنوب عالياً بانتصارهم, وفرحة تحرير أرضهم, ومع ذلك تبقى في السماء غيوم, وتبقى عيون الشهداء تحوم, تسأل: ماذا عن الغد؟ ماذا عن المياه ومزارع شبعا, والمعتقلين في سجون العدو, والرجال الذين يعملون في أراضي (إسرائيل) ؟ ماذا عن الاعتمادات التموينية للجنوب؟ ماذا عن البنى التحتية, وماذا عن هيبة الدولة وكلمتها الحقيقية هناك؟ ولا نريد أن نفسد فرحة الانتصار المجلجل في قلوب أهلنا في لبنان ومدن الجنوب, لكننا نريد أن نطمئن على هذا الفرح, لأننا بصراحة اعتدنا زمناً عربياً طويلاً ورديئاً, صفته البارزة اغتيال الأحلام! وبرغم علمنا بحال زماننا العربي إلا اننا نتمنى للجنوب زمناً قادماً مليئاً بالبشارات والألق, لأنهم يستحقونه بالفعل. يتألق الوطن ويتلألأ الماس في صوت فيروز هذه الأيام على الفضائيات اللبنانية وهي تغني: يا وطني يا حبيبي يا همي الأكبر يا وطني يا حبيبي رح ترجع انضر أنا يا للي سميتك لبنان الأخضر فهل هناك أحلى وأنضر من عودة الأرض حرة, هل هناك شعور يعادل أن ترى جنود الصهاينة يفرون وقد ضاقت عليهم الأرض وتفجرت أرجاؤها براكين رفض وغضب تغسل نجاساتهم من أرض الجنوب؟ هل هناك عز يوازي أن يرصدك العالم وأنت مكلل بتيجان الغار والكرامة؟ هكذا هم أهل الجنوب هذه الأيام, فرحون على هواء العالم مباشرة, جباههم عالية, وأصوات زغاريدهم تملأ أرجاء الكون, بعد أن حرثت إسرائيل شرايينهم وقلوبهم وأرضهم دماراً وحقداً وتقتيلاً. وفيروز هذه المكللة بمهابة عشق الوطن اللبناني الجميل يتردد صوتها: كلما بغني اسمك بشوف صوتي غلي أيدي صارت غيمه وجبيني علي يا جنوب ولنا عتب وغضب سنتذكره دائماً: لماذا لم تتواجد فضائياتنا العربية في قلب الانتصار اللبناني في الجنوب, وآثرت فتات ما يأتيها من وكالات الأنباء وبعض المراسلين؟ لماذا كانت هذه الفضائيات محتشدة بقضها وقضيضها في جنازة رابين وديانا, والانتخابات الإسرائيلية واتفاقيات السلام في مدريد وأوسلو ووادي عربة وواي بلانتيشن, وفي كل محافل الذل والهوان العربي, وعندما جاءت بشارة انتصار باغت العالم كله انسحب إعلامنا كالقنافذ البائسة! تمنينا لو أن فضائياتنا العربية تحولت إلى بث عربي موحد ينقل انتصار الجنوب لأن حدثاً كهذا لن يتكرر في الزمن العربي الحاضر مرتين, ولأن هذا العمل لو تم لكان محى كل تفاهات إعلامنا العربي في كل مراحله وسنوات هوانه الماضية, لكنه يأبى إلا أن يُمعن في غيّه! فسلامٌ على أهل الجنوب المنتصر .. ولا عزاء للإعلام العربي!