بمجرد صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر ,1947 ورفضه من الجانب الفلسطيني (والعربي) بات على القيادة الفلسطينية ممثلة بالهيئة العربية العليا الاستعداد لمنع تطبيقه بالقو ة . وفي أجواء محمومة من الاستنفار الصهيوني بعد أن أضحى حلم الدولة اليهودية قاب قوسين من التحقق على أرض الواقع, راحت هذه القيادة تتحرك في عجلة على أكثر من محور.كان من رأي الهيئة العربية العليا أن تتولى هي ذاتها الحركة النضالية العسكرية والسياسية, على غرار ما حدث إبان ثورة 1936 1939 على أن يمدها العرب بالدعم اللازم ماليا واقتصاديا وتسليحيا وأن تظل الجيوش العربية في حالة رباط وتربص بمجريات النضال في فلسطين, فإن اقتضى الأمر تدخلا عربيا مباشرا, فمن الأفضل أن يكون تحت عين الطرف الفلسطيني لعلمه بحال البلاد والعباد في فلسطين وقدراته اللوجستية ومعرفته بساحة القتال بوجه عام. إتساقا مع هذه الرؤية, جددت الهيئة تعيين عبدالقادر الحسيني على رأس فصائل الجهاد المقدس .. حدث ذلك بعد شهر واحد من قرار التقسيم, على الرغم من تشكيل الجامعة العربية لما عرف بجيش الانقاذ العربي بقيادة فوزي القاوقجي, الذي بادر بالدخول بهذا الجيش فلسطين قبل 15 مايو. بذلك, ظهرت أوائل نذر الخلاف بين القيادة الفلسطينية والقيادات العربية, وكان ازدواج القوى العسكرية غير النظامية قبل دخول الجيوش العربية فلسطين أبرز تجليات ذلك الخلاف, وهذه حقيقة مؤلمة سوف تظهر تداعياتها السلبية على العسكرية الفلسطينية ميدانيا في وقت لاحق قريب, لاسيما في تضارب الأهداف وضعف التنسيق. لقد توسعت قوات الجهاد المقدس بشكل قياسي في بضعة أشهر. ويعزى ذلك لاعتماد القيادة الفلسطينية على استقطاب عناصر ما عرف بمنظمتي النجادة والفتوة, اللتين تكونتا كمنظمات شبابية ذات طابع شبه عسكري عامي 1945 و1946والحاقهم بهذه القوات. ولما كان مجموع هذه العناصر بلغ عدة آلاف, فقد ترتب على دمجهم في قوات الجهاد المقدس تحول هذه القوات الى جيش حقيقي تقريبا. ويلفت النظر أن الأدبيات التي أرخت لحرب 1948 في حينها أو في أوقات لاحقة, عربية أو صهيونية, قدرت حجم هذا الجيش بما مقداره 30 ألف رجل. وقد اتفقت الموسوعة الفلسطينية الصادرة عام 1984 مع هذه التقديرات. ولكن معظم مؤرخي الحرب العرب استبعدوا هذا الرقم وهم بصدد حساب موازين القوى مع الجانب الصهيوني من حيث عدد العناصر المقاتلة. هذا على الرغم من أن جيش الجهاد المقدس بقوامه المذكور كان يفوق مجموع قوات الجيوش العربية التي شاركت في الحرب بزهاء 25 ألف رجل من مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن..). وقد يفسر هذا التجاهل بمحاولة الاستهانة بمشاركة العسكرية الفلسطينية في الحرب, أو التغطية على التقصير العربي في تقعيد هذه العسكرية, أو تبرير ازاحتها من ميدان القضية الفلسطينية بعد انقضاء الحرب, أو التقليل من شأن القرارات التي أدت الى تنحيتها من هذا الميدان أثناء الحرب ذاتها. ويصعب في هذا السياق القبول بالنظرية القائلة بأن فصائل الجهاد المقدس كانت مجرد مجموعات غير نظامية, مارست دورا محدودا الى جانب غيرها من القوات غير النظامية, وهي بذلك لاتحاكي الجيوش العربية من حيث الاستعداد القتالي والتجهيز والانضباط الخ.. فهذه أمور كان يمكن التعامل معها بالتحسين وتنمية الجاهزية والتدريب.. فيما لو حسنت النيات. ثم إن بعض الجيوش العربية النظامية التي شاركت لم تكن على سوية عسكرية أفضل بكثير مما كانت عليه فصائل الجهاد المقدس. صنفت قوات الجهاد المقدس في الميدان الى أربعة أفرع: المجندون المقاتلون ومهمتهم مواجهة الارهاب الصهيوني ومحاربة تقسيم فلسطين وحماية المدن والقرى الفلسطينية. والمجندون المرابطون الذين تولوا الدفاع عن قراهم ونجدة الأماكن المجاورة لهم. وفصائل التدمير التي جددت نشاطها على غرار مساهمتها في ثورة 1936 ,1939 وشهدت تقدما على يد خبراء ألمان متطوعين وبعض الضباط العرب. وفصائل الاغتيال التي تصدت للسماسرة وباعة الأرض لليهود. وقد تعززت هذه الأفرع بانضمام نحو 300 من الشرطيين العرب الذين سرحتهم سلطات الانتداب يوم 15 مايو 1948 وكانوا على دراية وتدريب مناسبين على أعمال القتال. وبعد اقرار القدس كمقر لرئاسة الجهاد المقدس , جرى توزيع القوات بحيث تغطي معظم أنحاء فلسطين من الجليل الى النقب وغزة. وكان من شأن هذا الانتشار إثبات الوجود العسكري الفلسطيني في طول البلاد وعرضها. غير أنه يمكن التساؤل عن الجدوى الحقيقية من ذلك, في ضوء التنظيمات الصهيونية المضادة التي بلغت على أسوأ التقديرات زهاء 60 ألف مقاتل حسني التدريب والتسليح والتنظيم. في سياق تقديرها لهذا الأسلوب التنظيمي, علقت الرواية الاسرائيلية الرسمية لحرب 1948 بأن (النواحي التنظيمية للقوات المحلية ـ وهذا هو المفهوم الاسرائيلي للجهاد المقدس ـ لم تتقدم عن أساليبها عام 1936 حيث كان التنظيم قائما على التشكيلات العصابية. أي مجموعة من المقاتلين المرتبطين بقائد محلي, تستطيع وقت الضرورة الاستنجاد بأبناء القوى والعشائر المجاورة لعملية كبيرة واحدة (تسمى الفزعة). وكانت هذه هي الصورة السائدة في الريف. أما في المدن فقد نشطت مجموعات من المقاتلين الذين أثبتوا قوتهم في نصب الكمائن لليهود. وكانت هناك قوات ثابتة للحراسة الشعبية في القرى والأحياء العربية. مع ذلك واضافة لمشكلات أخرى تتعلق بالتمويل والتسليح, فقد أجمعت شهادات عربية وبريطانية وصهيونية على أن قوات الجهاد المقدس أبلت بلاءً حسنا وبخاصة في المرحلة السابقة على دخول جيوش العرب النظامية.