في دراسة شهيرة لأستاذ الاقتصاد السياسي الدولي ومدير مركز العولمة والأقلمة بجامعة وورويك - رتشارد هيجوت بعنوان (العولمة والأقلمة: اتجاهات جديدة في السياسة العالمية, صدرت عام 98 عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية... طرح الزميل البريطاني قضية (لوجستية) مهمة وهي أقوم المسالك وأقصرها وأكثرها أمانا للوصول إلى الاندماج في العولمة. صحيح ان العولمة أصبحت اليوم مصطلحا متداولا, بل أكثر المصطلحات تداولا في الاقتصاد والثقافة والسياسة حتى خيل للبعض ان العولمة قدر محتوم مقبل سيضم المجتمعات كلها. وهذا في حد ذاته خطأ أصبح شائعا ونلمسه في أدبيات الاعلام العربي وحتى في بحوث الجامعات العربية. هذا خطأ لأن العولمة ليست عاصفة مقبلة معلنة كتلك الأعاصير التي تحمل أسماء جميلة وتضرب مدن السواحل في أمريكا أو افريقيا أو آسيا, بل العولمة نهاية عهد وبداية عهد. نهاية عهد القوميات الخائفة والوطنيات المغلقة وأنماط الحمائية (الجمركية) وبداية عهد المبادلات - تجارية وثقافية وسياسية وإنسانية - بلا حدود تقليدية. لكن فضل رجل مثل الزميل رتشارد هيجوت هو انه أشار إلى طريق دخول مجال العولمة من الباب الواسع أي من خلال الأقلمة. وهنا نشعر نحن العرب بأننا نحمل اعاقة (وراثية) لاننا لسنا (اقليما) بالمعنى الجغرافي المتعارف ولكننا اقليم حضاري. أي اننا قوم - لذلك نستعمل مصطلح القومية - لنا لغة وتاريخ وأصول ولكن ليس لنا مع الأسف مشروع حضاري مستقبلي - مثلما هو الحال في الاتحاد الأوروبي. فأوروبا ليست اقليما حضاريا وإنما هي اقليم جغرافي, أما حضاريا ولغويا ودينيا واستراتيجيا فأوروبا قبائل عديدة سبق أن تصارعت وتحاربت وآخر حروبها الحرب العالمية الثانية 39-45 التي راح ضحيتها 20 مليون أوروبي. ويقول هيجوت ان أوروبا قارة وهذه حقيقة بدهية ولذلك يستعمل مصطلح (قارية) لترجمة مصطلح Continentalism. إنما نحن العرب قوم نطمح إلى اقليم, أي إلى وحدة مثل الأوروبيين. هل يمكن أن ندخل العولمة كعرب ونحن لا نزال مشرذمين على الصُعد السياسية والاقتصادية والتربوية والاستراتيجية؟ بالطبع الجواب بالنفي. لكن يمكن اختصار المسافة الفاصلة بين العرب وبين الاندماج في العولمة إذا ما جسدنا نظرية انشاء اقليم الكتروني عربي. وهذا ممكن بل مطلوب بصورة استعجالية. يقول أستاذنا الفرنسي (اندري جون تيودسك) في كتابه الصادر عام 1997 بعنوان: (وسائل الاتصال ودورها الأساسي في الحياة الدولية) بأن المجتمعات ـ لا الدول ـ هي المؤهلة لانشاء اقليمها الالكتروني من خلال اقامة شبكة اتصالات عبر الانترنت والاقراص الليزرية وبرمجيات الكمبيوتر حتى ترسي قاعدة الكترونية تكون هي عماد ما سماه استاذنا تيودسك بالديمقراطية الالكترونية. هذه هي روح العصر, بل ريح العصر, وسوف تدفع بنا دفعا نحو التعاون والتضامن والتكافل والتشاور بدون شعارات أي ان ما كنا نسميه في عهد المرحومين جمال عبدالناصر وعبدالخالق حسونة وأحمد الشقيري بالوحدة العربية سوف يتجسد من خلال شبكة اقليمية للاتصالات العربية ـ العربية, والعربية ـ الخارجية بصورة قاعدية دون اللجوء إلى الشعارات رغم جمالها وبريقها, فالمدرسة العربية في تونس ستحاور المدرسة العربية في جدة ونواكشوط ومسقط والسوق المالية بالرياض ودبي ستتناقش مع سوق الأوراق المالية بالدوحة والجزائر والكويت والخرطوم, والمقاول السوري سيتصل بالمقاول المغربي والمخرج السينمائي المصري بنظيره الأردني والفلسطيني ومدير البنك في بني غازي بمدير البنك في الاسكندرية أو الشارقة بالاضافة إلى ان هذا الاقليم الالكتروني هو الأساس لتصور نهضة اقتصادية ثم اتحاد جمركي ثم تنسيق تربوي وتعليمي وثقافي, وفي الأخير سيكون الاقليم الالكتروني حجر الزاوية لبناء الوحدة السياسية. ولا ننسى ان تجارب الوحدات السياسية العربية المفروضة من فوق بقرارات - شعارات, لا تثمر إلا النكسات والانشقاقات وخيبات الأمل إذا ما استثنينا تجربة الامارات الرائدة وأوسع منها تجربة مجلس التعاون الخليجي لاغير. فالوحدة التي تبدأ بأدوات العصر أي بالكمبيوتر مقدمة على الوحدة التي يمكن ان تجر هياكل المجتمعات العربية جرا قسريا إلى الأمام, أي إلى الاتحاد ثم إلى الاندماج في العولمة, فلنبدأ بتجهيز كل مدارسنا العربية بكمبيوتر واحد على الأقل, وبفتح الاتصالات مع المؤسسات النظيرة في العالم العربي, ولا يضر ان يسخر كل بنك عربي وكل مؤسسة صناعية أو تجارية عربية موظفا واحدا فقط تكون وظيفته اليومية ربط الاتصال الالكتروني بالبنوك والمؤسسات النظيرة في أرجاء العالم العربي لتبادل الخبرات والمعلومات والتجارب بصورة آنية مستمرة. والمرحلة التالية هي مرحلة الحكومات العربية الالكترونية E. Government, التي تعتبر هدفا وغاية للاقليم الالكتروني وفي الوقت نفسه وسيلة لاختصار مراحل التنمية وبلوغ الاندماج في العولمة. استاذ الاعلام بجامعة قطر