ما هي الترجمة السياسية للانتصار العسكري الساحق لقوات اثيوبيا وتوغلها في عمق الاراضي الاريترية؟ ان السبب الاصلي للحرب بين هاتين الدولتين المتجاورتين هو نزاع على اراض حدودية فرضت فيها اريتريا احتلالاً عسكريا قبل نحو عامين استباقاً لاي تفاوض مستقبلي بين الطرفين بشأنهما. الآن ومع تجدد القتال بعد هدنة دامت نحو سنة فشلت خلالها الوساطات الخارجية اذهلت اثيوبيا العالم باكتساحها الخاطف المتسارع الايقاع للقوات الاريترية وتوغلها بعيدا داخل العمق الاريتري وهي تحتل مدينة بعد اخرى... مما يفرض السؤال الطبيعي: كيف تعتزم اديس ابابا استثمار هذا الانتصار العسكري سياسياً؟ وقبل ذلك: الى اي مدى تعتزم التوغل والبقاء داخل الاراضي الاريترية؟ بصورة رسمية ومعلنة فان اهداف الحرب من المنظور الحكومي الاثيوبي تتلخص في بندين: اولا: تحرير الاراضي موضع النزاع على اساس انها اراضٍ (اثيوبية) . ثانياً: قصم ظهر الجيش الاريتري بحيث يصاب بالشلل كقوة مقاتلة لأمد طويل. غير انه من الصعب على المراقب المحايد ان يأخذ هذا الطرح الاثيوبي الرسمي على ظاهره وذلك لثلاثة اعتبارات: اولاً: ضخامة الانتصار العسكري الاثيوبي القائم والمتوقع مع التراجع المرتبك واسع النطاق للقوات الاريترية وهروبها وتشتتها يجعل الهدفين المذكورين يبدوان متواضعين نسبيا مما قد يستدل منه ان هناك اهدافا اثيوبية اخرى خفية. ثانيا: ان جماهير الشعب الاثيوبي معبأة وجدانيا على اساس ان الحرب حرب قومية يجب ان تستهدف (تأديب) اريتريا كدولة لا كجيش فقط. ثالثاً: ان هناك مؤشرات تدل على أن اثيوبيا تنظر للحرب كفرصة لاعادة رسم الخطوط الحدودية بصورة جذرية وشاملة بما يؤدي على اقل تقدير الى توفير منفذ بحري لاثيوبيا حتى تتخلص نهائيا من الاعتماد على الموانىء الاريترية وما يتبع ذلك من ابتزاز اريتري. بناء على هذه الاعتبارات والفرضيات ارى ان الاستثمار السياسي للانتصار العسكري الاثيوبي ربما يسفر عن النتائج الاتية: * ضم اثيوبيا للاراضي موضع النزاع نهائيا وهي موزعة بين منطقتين في الشمال الغربي والوسط. * مواصلة التوغل العسكري واحتلال المزيد من المدن والقواعد العسكرية الاريترية بهدف تجريد القوات الاريترية من معظم ما لديها من اسلحة ثقيلة كالدبابات والمدرعات لابطال فاعلية الجيش الاريتري لفترة قد تمتد الى سنوات طويلة. وهذا ما تطلق عليه اديس ابابا (كسر العمود الفقري للجيش الاريتري) . * ان تفرض اثيوبيا على اريتريا اعادة رسم الحدود كشرط لوقف القتال والتوغل بما يؤدي الى ضم اثيوبيا لميناء (عصب) الاريتري. ويبقى سؤال: هل تواصل القوات الاثيوبية تحت تأثير نشوة الانتصارات المتتالية الزحف الى العاصمة الاريترية اسمرا؟ هذا الاحتمال يكون واردا بشريطة انهيار الامن والنظام في اسمرا. ومن المؤشرات العامة في هذا السياق قرار العواصم الغربية, وخاصة الولايات المتحدة, سحب العاملين في بعثاتها الدبلوماسية في العاصمة الاريترية. غير ان احتمال دخول القوات الاثيوبية اسمرا يظل بعيدا. وربما تفضل اديس ابابا احتلال مدينة بالقرب من العاصمة لتسعى بعد ذلك الى فرض تغيير حكومي جذري في اريتريا بما يؤدي الى قيام حكومة (معتدلة) في اسمرا. في كل الاحوال فان الانتصار العسكري الاثيوبي هو بداية لفصل جديد وليس نهاية فصل.