ضاعت الامور بين السرية المكتومة وبين العلنية المجهولة المضمون والنتائج امام الشعب الفلسطيني. فالشيء المثير والمضحك في آن واحد بأن المسار التفاوضي الفلسطيني ـ الاسرائيلي بات مصدرا للمفارقات التي لم يشهدها عالم الدبلوماسية في التاريخ المعاصر, فالمفاوضات السرية تعود من جديد وتتكرر التجربة بطريقة مؤلمة ومؤذية. وجلسات المفاوضات السرية اصبح الحديث عنها وكأنها مشروعة ومشرعة فلسطينيا حتى كدنا نسمع اخبارا طريفة من نمط (يغادر رئيس الطاقم الفلسطيني رام الله الى السويد للبدء في الجولة الجديدة من المفاوضات السرية..). والآن بعد انتهاء جولة ايلات (ام الرشراش) (8/5/2000) التفاوضية الثالثة لمفاوضات الحل الدائم, دارت الامور على نفسها في حلقة تصاعدت بشكل لولبي دون تقديم الطرف الفلسطيني مضمون ما جرى الى الاطر القيادية داخل منظمة التحرير وحتى الى المجلس (الاشتراعي) للسلطة وربما الى الهيئة العليا لقيادة عملية التفاوض التي تضم فريقا ضيقا من سلطة اوسلو. فالمعلومات المؤكدة تشير الى الى ما قدمه الطرف الاسرائيلي من تبادل وثائق الهياكل وكلها يؤشر الى لاءآت باراك للحل الدائم على قاعدة دولة/ كيان ناقص السيادة مع شطب قضية العودة واستبعاد القدس وابقاء المستوطنات الكبرى تحت سلطة الاحتلال وضمها للدولة العبرية وهي تشكل 20% من مساحة الارض المحتلة عام 1967 فضلا عن القدس الكبرى. والمؤسف ان الطرف الفلسطيني الذي كسر اسلحته بدأ بالتفاوض على مسألة اعلان الدولة المستقلة وهي في عرف الطرف الاسرائيلي دولة ناقصة السيادة محشورة في ثلاث كانتونات مطوقة بالخارطة (البيضاء) 20% من الارض المحتلة التي سيجري ضمها للدولة العبرية, والخارطة (البنية) 14% من مساحة الضفة والقطاع التي ستبقى تحت السيادة الاسرائيلية عشرات السنوات على امتداد غور الاردن والحدود مع مصر. بينما كان من المنطقي والعملي وقف التفاوض على هذه المسألة, فإعلان الدولة الفلسطينية قضية فلسطينية بالدرجة الاولى وهذا ما تقرر باتفاق القاهرة (اغسطس 1999) بين وفد فتح والسلطة برئاسة عرفات ووفد الجبهة الديمقراطية برئاسة حواتمه, وما تقرر في دورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير في 2 ـ 3 فبراير 2000 بمشاركة كل فصائل المنظمة وحزب الخلاص الاسلامي واجهة حماس السياسية, وهي تفتح المجال لقلب المعادلة السياسية والتفاوضية واعادة خلط الاوراق مجددا ووضع الدولة العبرية امام احراج دولي هائل. لقد كان على السلطة الفلسطينية التأكيد العملي وليس الخطاب الاعلامي اللفظي فقط بأن اعلان الدولة بحدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس مقبل لا محالة تنفيذا لقرار مركزي فلسطيني. هنالك ثمة مستجدات في الافق, كيف سنتعاطى مع الواقع الجديد, بالطبع مع انتخابات البرلمان ومأسسة الدولة؟! المجلس المركزي لمنظمة التحرير بدورته من نيسان 99 الى فبراير 2000 تحدث اغلبية اعضائه عن ضرورة الانتهاء من سكة اوسلو ونهج اوسلو بعد ان انتهى زمنيا بحكم توقيع من وقع عليه ومن رعاه ومنذ ذاك الحين ونحن نطالب بتوفير مقومات اعلان السيادة على الارض بحدود 4 يونيو 1967 وقلب المعادلة التفاوضية مع الاحتلال. على كل حال وبعد طول تأخير وتأجيل متعمد منذ يونيو 99 انعقدت جلسات المجلس المركزي الفلسطيني الاخيرة في قطاع غزة يومي 2,3/2/ 2000 وان كان مجرد انعقاد المجلس خطوة ايجابية خاصة في ظل حضور ومشاركة القوى الاساسية المشكلة لائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية, إلا ان استجابة السلطة واهل اوسلو لنداء الشعب والشارع الفلسطيني ونداء الصف العريض من القوى والفعاليات ما زال يلهث خلف ضرورات اعادة بناء الوحدة الوطنية والعمل ببرنامج قواسم سياسية نضالية جديد. فاعمال وحوارات المجلس المركزي بينت بوضوح بأن اصحاب اوسلو ما زالوا في النهج والسلوك السياسي الفعلي بعيدين عن روح العمل المشترك واعادة بناء الاجماع الوطني على سياسة تفاوضية جديدة تقوم على قلب المعادلة التفاوضية بإعلان سيادة دولة فلسطين حتى حدود 4 يونو 67 بما فيه القدس وعند ذاك تكون المفاوضات لترحيل المحتلين والمستوطنين عن الارض المحتلة عام 67 بين دولتين وتستند الى حضور وانتفاضات الشعب في المناطق (ب) و(ج) المحتلة وهي تشكل 82% من ارض الضفة والقطاع بعد ان تم تنفيذ حكومة باراك لـ(النبضة الثالثة) من اعادة الانتشار عملا بالتزاماتها في اتفاق شرم الشيخ والتي فات زمنها (20 يناير 2000) ولم تنجز الا بعد ثلاثة شهور على اجندتها الزمنية. ان شرط اعلان السيادة هو اعادة بناء الوحدة الوطنية للشعب وائتلاف منظمة التحرير بحوار شامل ينتج برنامج قواسم مشتركة جديد وهذا هو الغائب الاكبر حتى الآن. واصحاب اوسلو يعتقدون بأن الحلول (السحرية) تأتي من الولايات المتحدة ومن طاولة المفاوضات اللامتوازنة مع الطرف الاسرائيلي في قناة استوكهو لم السرية التي دخلت منذ 18/5/2000 جولتها العاشرة بدون علم واشراف اية هيئة وطنية ائتلافية تماما كما مظالم اوسلو من وراء ظهر الجميع وبقبضة ثلاثة فقط (عرفات, ابو مازن, ابو علاء) في ظل المعادلات المختلة القائمة للتسوية الراهنة بدلا من العودة الى بيت الوحدة الوطنية وتحقيق المرجعية الوطنية الائتلافية العليا المسئولة عن ادارة دفة الامور تجاه كل القضايا المصيرية التي تهم الشعب الفلسطيني, واعلان تجسيد سيادة دولة فلسطين بحدود 4 يونيو 67 عاصمتها القدس, كما تم الاتفاق بين فتح والسلطة برئاسة الاخ عرفات والجبهة الديمقراطية في بيان القاهرة 23 اغسطس 99 وكما دعت قرارات المجلس المركزي بإعلان السيادة وتجسيدها بسقف 13 سبتمبر 2000. لذلك اعلنا في دورة المجلس المركزي (فبراير 2000) وبعد اختتام اعمال المجلس تحفظنا على البيان بسبب التمديد لاوسلو وتأجيل اعلان تجسيد سيادة الدولة الفلسطينية بحدود 4 يونيو 67, واعلنا اننا ضد تأجيل اعلان سيادة دولة فلسطين فالتأجيل خطأ وخسارة استراتيجية, وهذا ما اعلنه ايضا رئيس اللجنة السياسية للمجلس التشريعي د. زياد ابو عمرو في حوارنا مع اعضاء اللجنة السياسية بعمان في مقر المجلس الوطني الفلسطيني وبمشاركة سليم الزعنون رئيس المجلس (25/5/2000) فهذا التأجيل لا يستجيب لمتطلبات مجابهة التعنت الاسرائيلي والرد على مماطلة حكومة باراك واعادة صياغة مفاوضات التسوية على اساس الاجماع الوطني وقرارات الشرعية الدولية, وقلب المعادلة القائمة الآن. اما ما يجرى الآن بقناة السويد السرية ينذر بكوارث كبرى زاحفة على المسار الفلسطيني وخاصة بشطب القدس الشرقية وتحويلها الى احياء ادارة ذاتية محلية في اطار قدس موحدة اسرائيلية, وشطب حق اللاجئين بالعودة وشطب القرار 194 وسيطرة اسرائيل على خط الحدود مع الاردن ومصر وضم المستوطنات 20% (المنطقة البيضاء) + 14% (المنطقة البنية) من ارض الضفة وقطاع غزة. ان قلب المعادلة التفاوضية بإعلان تجسيد سيادة دولة فلسطين حتى حدود 4 يونيو 67 بما فيه القدس واعادة بناء الوحدة الوطنية هي العوامل الملموسة لفتح طريق تسوية التوازن على اساس المرجعية الدولية وهذا هو الغائب الاكبر حتى الآن وفي الجانب الآخر المتعلق بانتخابات البرلمان ومأسسة الدولة حال اعلانها بحدود 4 يونيو 1967 عاصمتها القدس, فمع ان هذه القضايا لاحقة الا انني استطيع ان اجيب على الفور بأننا نطمح وندعو وسنشارك بالانتخابات التشريعية لدولة فلسطين وكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات والسير معا لبناء مؤسسات الكيان الوطني/ الدولة ومأسسة الحياة السياسية ـ القانونية الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية لشعبنا. _