بعد ان كلفهم الاحتلال مليارات الدولارات ومئات الجنود, اعترف الاسرائيليون اخيرا بهزيمتهم وانسحبوا من قرى الجنوب اللبناني ممهورين بالخيبة والهوان, وبالسقوط في الفراغ واللاجدوى, ومع كل خسائر الجنوب وشهدائه الاطهار فإن قتلى الجنوب في الجنة وقتلى اولئك في النار. ما هو طعم الحرية؟ وما شكل الوطن المحرر في العيون؟ وما شعور هؤلاء اللبنانيين الذين قذفت بهم الحرب والاحتلال الى الغربة والمنافي وشوارع الدنيا القاسية؟ هل يعرف غير الغريب طعم الغربة والبعد عن رائحة الام والعائلة ورفاق الطفولة؟ وهل يعاني غير المنفي شعور الصقيع في منفى الانفصال عن الوطن؟ اسرائيل تحسب خسائرها خلال 22 عاما من سيطرتها على الجنوب بالدولارات وارتال الدبابات والسيارات المصفحة التي فجرتها المقاومة, وبعدد القتلى الذين ذهبوا للجحيم ثمنا للصلف والعنجهية وعقدة اللاوطن واللاجذور, اما أهل الجنوب وأهل لبنان فحساباتهم مختلفة تماما, خاصة اولئك الذين رحلتهم الحرب وقذف بهم الاحتلال الى خارج جغرافيا الجنوب. انهم يحسبون العمر الذي مضى وانكسر, والاحلام التي اغتيلت, والايام التي لن تعود, والآباء الذين لن يعودوا والاخوة الذين لن ترجع زغاريد الانتصار اصواتهم ووجوههم ومشاكساتهم الحميمة. سألت لبنانيا جنوبيا قضى من العمر في الغربة بمقدار ما استباح الصهاينة من سنوات في الجنوب: هل تشعر بالفرح اليوم وانت ترى الاسرائيليين وعملاءهم يتهاوون بكل الخيبة والهزيمة؟ اجاب وهو الذي آثر إلا ان يبقى قابضا على خريطة الجنوب في كفه جمرة حق, وفي قلبه شعلة عشق وقبضة ياسمين, ليس الفرح هو ما اشعر به فقط, انني أتأرجح بين الفرح والحزن بين الغضب والقهر, بين الامل والضياع. واسأله: ضياع ماذا؟ فينفجر: ضياع العمر في الاغتراب. يا كل العرب, ويا كل اللبنانيين: جنوبكم يتحرر, فهل هو حلم؟ انه الحلم الاشبه بالاساطير, الحلم الوحيد الملون والصارخ بلون النجيع ونسغ الحياة, ورائحة لا يمكن ان تشم مرتين! رائحة الانتصار على عدو اشيع طويلا بأنه لا يقهر, انتصار يتلبس به وطن ويمعن به انتشاء رجال ونساء لم يناموا منذ اكثر من عشرين عاما إلا على مأتم ولم يصحوا إلا على قتلى واصوات طائرات تقصف الحياة بشهية اكلي لحوم البشر. لكنني وانا اتابع اخبار التلفزيونات والصحف أتلذذ بطعم الفرح الذي نسيناه منذ انتصارات العاشر من رمضان 1973, شعرت وكأن هناك من سيصادر كل هذا الانتصار لنفسه, وليس لأحد بعينه فضل الانتصار منفردا, ان الحكومة اللبنانية, وشباب المقاومة الوطنية وحزب الله, وامهات الجنوب الصامدات ورجال الجنوب الصابرين رغم الفقر والحاجة, واطفال الجنوب الذين كبروا اعواما على مشاهد المآتم والجنازات والتوابيت, وصبايا الجنوب اللواتي اغتيلت حكايات عشقهن وافراحهن برصاص الصهاينة وكل الذين ساروا في مسيرات الفرح ونثروا الارز والزغاريد على رؤوس الرجال, كل اولئك حاكوا اسطورة الاحتلال التي ذهبت ادراج الرياح, هذا الانتصار الذي يجب ألا يجير لأحد حتى لا تعود افعى الطائفية تنفث سمومها في لبنان من جديد. * أما انتم ايها المقاومون فنظفوا بنادقكم وابقوها معلقة على اكتافكم, ذلك ان زيت الحقد الاسرائيلي لا ينضب ابدا.