في غمرة الفرحة بأجواء النصر التي يعيشها العرب جميعا هذه الأيام وهم يشاهدون قوات الاحتلال الاسرائيلي تنسحب صاغرة من قرى الجنوب اللبناني المحتل بعد فترة احتلال دامت اثنين وعشرين عاما, يدرك الجميع حجم حاجتنا نحن العرب إلى هذه الأجواء التي لم تعشها الأمة في تاريخها المعاصر منذ حرب أكتوبر عام 1973. فتحية لرجال المقاومة اللبنانية وشهدائها, وتحية لأهل الجنوب اللبناني الصامدين الذين استطاعوا أن يعيدوا بعث هذا المعنى في النفوس, لنرى اسرائيل وهي تقف موقف المهزوم والمأزوم لحظة الخروج من المستنقع الذي وضعت نفسها فيه قبل عشرين سنة وكانت تظن انها في نزهة لتكشف لها التجربة عكس ذلك, ولتثبت لها روح الشهادة التي يتمتع بها رجال المقاومة ان هناك عروقا ما زالت تنبض في الجسد العربي الذي ظنت به مواتا. لقد استطاعت المقاومة أن تثبت لهؤلاء الصهاينة القضاء على الاحتلال وعملائه وتثبت خطأ الحسابات والرهانات الاسرائيلية القديمة التي وضعها بن جوريون بشأن اصطناع مجموعة من العملاء في الجنوب اللبناني يتولون أمن اسرائيل. وحتى لا تنسينا الفرحة بالنصر أهمية استشراف معالم المرحلة المقبلة علينا أن نؤكد على ضرورة استمرار الاجماع الوطني اللبناني غير المسبوق لمؤازرة المقاومة والوقوف خلفها في حالة شبه نادرة. ولعل لبنان مطالب أكثر من أي وقت مضى بالتيقظ للغم العملاء الذين يشكلون طابورا خامسا تظهر أصواته على استحياء تارة وصريحة تارة ثانية في محاولة لبعث فتنة نائمة - لعن الله من أيقظها - بين اللبنانيين بعضهم من بعض من جهة وبين لبنان وسوريا من جهة أخرى. وهذه الأصوات إنما تطرح أجندة اسرائيلية مكتوبة بمداد اسرائيلي وبأبجدية صهيونية ويتعين على جميع القوى الوطنية في لبنان وأدها في مهدها. كما يتعين على الدولة اللبنانية ألا تنساق وراء دعوات تكبيل المقاومة بدعوى ان دورها انتهى بعد رحيل الاحتلال ذلك ان دورها لا يزال مطلوبا بعد عملية الانسحاب التي لم تتم بعد بشكل نهائي, حيث تفضله اسرائيل انسحابا ملغوما ومفخخا ومصحوبا بالتهديدات والمراهنة على خلق أجواء الفتن التي ترى فيها تربة خصبة لتحقيق أهدافها العدوانية.