لم يكن ينقصنا إلا رواية قديمة صدرت منذ 17 سنة ولم يقرأها إلا قلة قليلة من الناس.. بعضهم أعجبته وبعضهم كرهها أو ازدراها.. وانتهى الأمر, ثم نجيء بعد هذه السنوات فنراها تصدر في طبعة جديدة في مصر فإذا بها تنفجر في الحياة السياسية والثقافية, ويختلف حولها الناس, وتخرج المظاهرات من شباب الأزهر, وتتصاعد الأزمة ليتم في النهاية تجميد حزب العمل وإيقاف صحيفته (الشعب) التي أثارت الحملة على الرواية بطريقة أصابت الحياة السياسية والثقافية بأفدح الأضرار . بالطبع.. لا أحد ينكر حق الصحيفة في أن تهاجم الرواية وأن تعترض على طباعتها على حساب وزارة الثقافة, ولا حتى أن تلجأ للقضاء لإيقاف توزيعها إذا أرادت ولكنها بدلاً من ذلك لجأت للتحريض والتهييج واجتزاء مقاطع من الرواية بعيدا عن السياق, ثم إطلاق اتهامات التكفير بسهولة غريبة. كان يمكن أن يكون هذا مفهوما لو أن المواجهة كانت مع دولة تعادي الإسلام وتنكر أحكام الدين ولكن ذلك لم يكن صحيحا. وإذا كان هناك خلاف حول كتاب فهذا لايستحق هذا التحريض الذي يحاول استغلال المشاعر الدينية للناس لأغراض حزبية صغيرة. وفي مو اجهة هذه (الزوبعة) كان هناك هذا (الارتباك) الحكومي غير المبرر وهو أمر تكرر كثيرا للأسف الشديد في قضايا عديدة في الفترة الأخيرة.. بدءا من أزمة السيولة وليس انتهاء بحكاية هدم القصور والفيللات! في هذه (الزوبعة) حول رواية (الوليمة) غابت الرؤية الموحدة للحكومة وتصرفت أجهزة عديدة وفقا لما يراه المسئولون عنها, أو وفقا لما لا يرونه!! وبدلا من المواجهة الحاسمة للموقف منذ البداية وجعل القانون هو الحكم ومحاصرة الفتنة في مهدها, توالت التصرفات والقرارات المتضاربة لتزيد الأمور اشتعالا في قضية كان يمكن - بالحكمة والهدو ء - أن تنتهي في نفس اليوم الذي ثارت فيه. بدلا من ذلك, وجدنا وزير الثقافة مهزوزا بلا مبرر, وتوالت قراراته وتصريحاته المتضاربة.. واللجنة الأدبية أصدرت تقريرا عن الرواية . ومجلس الشعب - من خلال اللجنة الدينية التي يرأسها الدكتور عمر هاشم القيادي في حزب الحكومة - أصدرت قرارا قالت فيه إن الرواية تستحق (الحرق والمصادرة) . ووسط هذا (التضارب) كانت أجهزة الإعلام حائرة بين الصمت كما فعل التليفزيون, أو متابعة (الارتباك) الحكومي في متابعة الأزمة كما فعلت الصحف. وعندما اندلعت المظاهرات بين طالبات الأزهر لم يكن أحد مستعدا, وكان على أجهزة الأمن أن تواجه الموقف, وامتد الارتباك الى أسلوب المواجهة وظهرت العصبية واستخدام العنف في موقف كان المفروض أن يتم احتواؤه - لو سارت الأمور كما ينبغي - بهدوء وبالحوار الرشيد. ويزداد الارتباك بعد ذلك بإحالة الرواية الى فضيلة شيخ الأزهر ومجمع البحوث الاسلامية. ولا أدري ما علاقة فضيلة الإمام الأكبر بالروايات والأعمال الأدبية. أفهم أن يعرض على فضيلته وعلى مجمع البحوث الاسلامية خلافات حول أعمال فقهية أو أمور تتعلق بـ (الفكر) الاسلامي ليسترشد أولو الأمر برأيه, أما عرض النصوص الأدبية فأمر غير مفهوم وغير مبرر, وسيفتح الباب للجدل حول حدود (السلطة) الدينية التي يملكها الأزهر الشريف.. وهل هذه (السلطة) موجودة أصلا ليمارسها؟ وما هو الوضع بعد هذه السابقة؟.. هل سيتم عرض كل إبداعات المبدعين على علماء الأزهر؟ وهل ستكون موافقتهم شرطا لطبع الروايات ودواوين الشعر وهل سيمتد ذلك ليشمل مسلسلات التليفزيون وأفلام السينما وعروض المسرح؟ إننا هنا - في هذه الحالة - أمام نص أدبي ينبغي أن يحاسب أدبيا. وأمام قوانين مدنية تحكم عملية النشر, ولا ينبغي أن تنازعها في هذا الاختصاص سلطة أخرى. والخلط في هذه الأمور سوف تكون له أوخم العواقب. إن فضيلة الإمام الأكبر يجتهد في أمور كثيرة, ونختلف ونتفق معه ونقبل أو نرفض اجتهاداته, ونتعامل معه لا كسلطة دينية, وإنما كمسلم يملك أدوات الاجتهاد العلمية, ويحاول في هذا السبيل, ويصيب ويخطئ مثلنا.. فكيف يتحول الى مرجع يعطي الأحكام على إبداعات الآخرين, ولماذا هذا الخلط في الأمور.. ولماذا يضع وزير الثقافة أو غيره الحكومة والأزهر الشريف والمبدعين في هذا الموقف؟ وكيف سيكون موقف القضاء وأمامه دعاوى قضائية ضد ناشري الرواية وأمامه فتوى الأزهر بإدانة الرواية من الناحية الدينية.. وكيف سيكون الموقف إذا رأت المحكمة براءة الناشرين.. وهل سيقف الأزهر - عندئذ - في مواجهة القضاء.. وما هي النتيجة لكل هذا .. ؟ إن الدستور في مصر يجعل الشريعة الاسلامية المصدر الأساسي للتشريع, ولكنه لايقيم سلطة دينية بل يرسي دعائم حكم مدني لدولة مسلمة تحترم العقيدة وتلتزم بأحكامها ولكن دون سلطة تدعي الحديث باسم الاسلام - وتمنح نفسها أو يمنحها الآخرون عصمة ليست لها. إن الأزهر الشريف يعرف دوره الهام في نشر الإسلام وفي الارتقاء بالعلم وفي إعداد الدعاة وفي نشر قيم الدين الحنيف. وفي تعزيز الأواصر بين المسلمين وفي محاربة الإرهاب والتعصب. وليتنا نتركه يؤدي دوره في هذه المجالات ولا نشغله بالمعارك المفتعلة أو تصفية الحسابات بين (القبائل) السياسية والثقافية. ولنتذكر هنا أن علماء الأزهر الشريف قد اختلفوا (وهذا طبيعي) في أمور يفترض أن تكون واضحة فيما يتعلق بأحكام الشريعة الاسلامية. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية خلافات حادة وصلت الى المحاكم والتشهير (وهذا غير طبيعي) بين العلماء الأفاضل أنفسهم وقد يكون الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية الشهير بقانون (الخلع) هو أشهر هذه الخلافات الأخيرة. فكيف يكون الحال إذا كان الخلاف سيكون حول رواية أو مسرحية أو قصيدة شعر؟ ثم.. فلنتذكر هنا كيف أدانت هيئة كبار علماء الأزهر يوما ما الشيخ علي عبدالرازق وطردته من عضويتها بسبب كتابه (الاسلام وأصول الحكم) ثم عادت بعد سنوات وبعد تغير الأحوال السياسية عن رأيها. ولنتذكر كيف اتهم طه حسين في إسلامه بسبب كتابه عن (الشعر الجاهلي) والدكتور مصطفى محمود كان متهما هو الآخر بالكفر والإلحاد قبل أن يتحول مساره الفكري ويصبح المفكر الاسلامي المعروف. وفي هذه الأحوال التي ذكرتها كان الأمر يتعلق بـ (فكر) معين من المفروض أن يكون الحكم عليه واضحا, فكيف سيكون الحال إذا كان الأمر يتعلق برواية أو قصيدة أو أي عمل أدبي أو فني إذا أصبح الحكم عليه لرجال الدين وليس لنقاد الأدب والفن.. والمعتاد في هذه الأعمال أن تختلف الرؤى وتختلف الأحكام (حتى من وجهة نظر الأدب والفن) وهل كان نصف الابداع العربي سيرى النور لو أن الحكم عليه كان معقودا لرجال الدين؟ إن المعارك حول الأعمال الأدبية والفنية لم ولن تنته.. وبعضها يكون جادا وبعضها يبعث على الضحك أو الأسى.. وأتذكر هنا كيف وقف أحد الدعاة المشهورين في الستينيات يتباكى على ضياع الإسلام ويطالب برأس أم كلثوم وإغلاق الإذاعة التي تذيع أغنية (إنت عمري) والتي تقول في أحد مقاطعها (بعيد بعيد أنا وانت.. بعيد بعيد وحدينا) وكانت وجهة نظر الداعية التي مازالت خطبه توزع في شرائط كاسيت حتى الآن.. أن ما تتحدث عنه أم كلثوم (هو خلوة غير شرعية!!) . ولأن الأمور كانت غير الأمور, ولأن مشايخ الأزهر يومها كانوا يدركون أن مطربة (ولد الهدى) و (نهج البردة) قد نفعت الإسلام كما لم تنفعه دول ومؤسسات, فقد مر الأمر بسلام, بل وتحول أحيانا إلى مجرد (نكتة) . الأمر الآن يختلف. وزير الثقافة اهتزت أعصابه بلا مبرر, فالأمر كان أبسط من أن يتحول إلى أزمة لو أحسن الوزير التصرف من البداية, ولكن الوزير (المهزوز) بدلا من أن يحيل أمر الرواية التي لم يقرأها الى لجنة تحقيق وينتظر قرارها ويتصرف بحكمة تخمد الفتنة في بدايتها, إذا به يتخبط في قراراته.. مرة بتكوين لجنة أدبية ومرة أخرى بإنكار وجودها. ومرة بالإصرار على أنه أمام عمل روائي كبير يشيد بالإسلام ومرة أخرى بإنكار أي مسئولية له عن نشر الرواية. ومرة بالتأهب للسفر إلى فرنسا والمعركة مشتعلة ومرة أخرى بانتظار فتوى الأزهر في رواية أدبية وإحالتها الى نيابة أمن الدولة وهو يعرف نتيجة هذا التصرف وتبعاته! ويعرف أن الأمر يتعلق بعمل أدبي سوف تختلف الرؤية فيه بلاشك بين الناس, وليس كتابا في العقيدة أو دراسة في أصول الدين الحنيف. إن أسوأ ما يحدث الآن أن تختلط الأوراق في قضية حساسة تسهل فيها الإثارة لمن أراد, ويسهل فيها الخطأ لمن لايعلم أو لايريد أن يعلم, وتضيع فيها الحقائق وسط ركام الأخطاء غير المسئولة من أطراف القضية. إن الكل الآن مدعو الى كلمة سواء تنطلق من عدة حقائق أساسية لابد أن تكون محل اتفاق: * إن أحداً لايملك تكفير مسلم. والتهاون في هذه القاعدة سوف يدمر الجميع, لأن اتهامات التكفير (وتوابعها) إذا أصبحت متاحة لن ترحم أحداً. *إن الرواية التي أثارت الزوبعة قد صدرت منذ 17 سنة.. ولم تؤثر في إيمان قارئ, وإذا كان البعض يرى فيها مساسا بالدين فهذا حقه.. وإذا كان البعض يعترض على نشرها فأمامه الوسائل القانونية لذلك. أما التحريض والإثارة ومحاولة تصوير الأمر على أنه مؤامرة ضد الاسلام فهذا مرفوض. فلا الكتاب يحمل رؤية الدولة, ولا الدولة قد قصرت يوما في حماية الإسلام, ولا هي سمحت بالمساس بمؤسسات الأمة في أي وقت وتحت أي ظروف. * إن لجوء أطراف القضية للصراخ والتهويل, والبعد عن الحوار الجاد والموضوعي والمسئول هو تعبير عن مناخ سياسي وثقافي يحتاج الى إصلاح عاجل وشامل. * إن الأعمال الأدبية ينبغي أن تحاكم أدبيا فقط.. ولعلماء الأزهر الشريف أن يقولوا رأيهم في المسائل الفقهية وما يتصل بالعقيدة والفكر الاسلامي. أما الروايات والشعر والقصة والموسيقى والأغاني وكل صنوف الإبداع فلها مقاييسها التي تحاسب بها.. ولا يعني ذلك بالطبع السماح بأي تجاوزات في حق الأديان والعقائد.. ولكن حساب ذلك يكون بالقانون وهو في مصر يستند الى الشريعة الاسلامية في كل أحكامه. * إن القضية قد أخذت أكثر من حجمها بكثير ولو سارت الأمور بطريقة طبيعية لتجنبنا التداعيات المؤسفة, ووفرنا جهدا مستنزفا كانت تستحقه قضايا الأمة الأساسية.. وما أكثرها, وما أشد احتياجها لجهد الجميع وخاصة المثقفين من أبناء الأمة . *إن التصعيد الأخير بقرار لجنة الأحزاب تجميد حزب العمل وإيقاف صحيفته لا يكشف فقط مدى الضرر الذي لحق بالحياة الثقافية والسياسية بهذه (الزوبعة) ولكنه يكشف عن هشاشة الحياة الحزبية. حيث الأحزاب جميعها بلا حضور حقيقي وبلا دور فاعل فتلجأ لافتعال المعارك والصراخ في الصحف والتهويل في الوقائع وتوزيع اتهامات التفكير والخيانة بدلا من الدعوة للحوار الموضوعي. وقضايا الوطن الأساسية غائبة.. والشباب يعاني الفراغ السياسي والثقافي. والسلطة تلجأ لتعطيل حزب وإغلاق صحفه بدلا من ترك المحاسبة السياسية لجماهير المواطنين والمحاسبة القانونية للقضاء.. ورغم أني أعتقد أن هذه ليست كلمة النهاية في حياة حزب العمل, وأن البحث عن حلول وسط سيستمر, فإن ما حدث سيصيب العملية الديمقراطية بأضرار فادحة. وعلى الجميع أن يتحركوا لمنع حالة الاحتقان الموجودة الآن في الأجواء السياسية والثقافية من أن تتحول الى التهاب حاد لن يكون فيه رابح وخاسر, بل سيكون الجميع من الخاسرين. نائب رئيس تحرير جريدة (اخبار اليوم) المصرية