هل عنف السلطة في بعض البلدان العربية ضد التنظيمات الإسلامية له ما يبرره؟ الاجابة على هذا السؤال تعتمد على ما تعني عبارة (التنظيمات الإسلامية) . هناك تنظيمات إسلامية تعتمد العنف كمنهج ومسلك, بينما هناك تنظيمات مماثلة ترفض استخدام العنف المنظم حتى في حالة الدفاع عن النفس. ولكن حتى في الحالة الأولى تبقى القضية جدلية.. بمعنى: هل منهج العنف في هذه الحالة مبدأ وأصيل وثابت لدى التنظيمات الإسلامية المعنية أم انه رد فعل ذو طبيعة (تاكتيكية) ضد عنف السلطة؟ ولنترك القضية الجدلية لننتقل إلى القضية التي لا تقبل جدلا: قضية التنظيمات الإسلامية التي تلتزم بوسائل العمل السياسي السلمي المشروع وتنبذ في الوقت نفسه منهج العنف جملة وتفصيلا سواء في طرحها التنظيري أو مسلكها التطبيقي. والسؤال الذي أطرحه في هذا السياق هو: لماذا تتحرش السلطة في بلدان عربية بمثل هذه التنظيمات وتلاحقها على الدوام بتدابير أدناها اعتقال القيادات وأقصاها حظر التنظيم كليا. ولنأخذ أمثلة: في المغرب ألغت السلطات الاسبوع الماضي قرارها بحبس عبدالسلام ياسين زعيم (جماعة العدل والإحسان) رهن منزله بعد أن قضى في الاقامة الجبرية المنزلية نحو عشر سنوات حظر عليه خلالها الزوار من غير أقربائه. ورغم ان قرار الالغاء هذا جدير بالاشادة إلا ان نشاط التنظيم نفسه يظل محظورا. فليس بوسع قادته وكوادره ممارسة الدعوة السلمية لمبادئهم وأفكارهم سواء بالخطابة أو اصدار المطبوعات أو تسيير المواكب دون أن تعترضهم قوات الأمن بعنف وتتخذ ضدهم اجراءات. ولو كان تنظيم (جماعة العدل والاحسان) يتبنى ممارسة العنف ضد السلطة كمبدأ لربما كان هناك مبرر, رغم جدلية التبرير, لحظر نشاطه تماما وملاحقة قياداته وكوادره وفقا للقوانين السارية. لكنه تنظيم علني يلتزم بسيادة القانون ويحرص تماما من حيث الرؤية والممارسة على الوسائل السلمية المعروفة. والتنظيم النظري لجماعة (العدل والاحسان) في مصر هو تنظيم (الاخوان المسلمين) . على عكس تنظيم (الجماعة الاسلامية) الذي يمارس نشاطه كقوة مسلحة على استعداد دائما للدخول في معارك دموية مع قوات الأمن فإن تنظيم (الاخوان المسلمين) يحظر على نفسه مصادمة السلطة بوسائل العنف. ومع ذلك فإنه في نظر القانون الساري تنظيم غير مشروع.. وبالتالي يحظر عليه امتلاك صحيفة أو التنافس في الانتخابات في أي مستوى بما في ذلك انتخابات النقابات, خاصة النقابات المهنية. وفي بلدان عربية أخرى فإن مثل هذه التنظيمات الاسلامية السلمية التوجه إما محظورة تماما أو غير مسموح لها إلا بهامش محدود في النشاط قابل للتقليص أو الالغاء في أي وقت. لماذا إذن تتحرش السلطة بمثل هذه الجماعات؟ هناك في تقديري سببان.. احدهما يتعلق بالوضع الداخلي ومعطياته والثاني يتصل بتوجهات السياسة الخارجية في البلدان المعنية. داخليا, تلقى التنظيمات الاسلامية السلمية اقبالا شعبيا متعاظما, خاصة من جمهور النخب المثقفة. ومنشأ هذا الاقبال هو اضمحلال أو زوال الأحزاب والتيارات الايدولوجية الأخرى كالناصريين والقوميين والبعثيين والماركسيين. خارجيا, يبدو ان الأمر يتعلق بمسألة عملية سلام الشرق الأوسط. فالنص في دساتير بعض البلدان العربية على منع قيام أي تنظيم سياسي على أسس دينية ربما يعكس رغبة أمريكية - اسرائيلية في استهداف المنظمات الإسلامية باعتبارها ان عداءها لاسرائيل والصهيونية عداء غير قابل للمساومة لانه ينطلق من اعتبارات العقيدة الإسلامية.