بدعوة من منظمة الثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو) وبترشيح من مجلس السفراد العرب فيها اتيحت لي فرصة للحديث مع مجموعة منتقاة من الخبراء امام المجلس التنفيذي لليونسكو الذي يضم ممثلي الدول في دورته الحالية حول موضوع هو قريب الى اهتمامات المؤسسة والدول المشكلة منها وهو (الثقافة والعولمة) . تحدث امام الندوة في الشأن الاقتصادي من العولمة السيد جون كلود كليشي, وهو محافظ البنك المركزي الفرنسي, اما دوري فقد كان الحديث عن الثقافة وان كانت (العولمة) تبدو في المجال الثقافي ذلك المعلوم المجهول الذي لا يزال يتسم بالكثير من الغموض والالغاز من ناحية وبعدم الاتفاق على مفهوم محدد له بين المجتمعات المختلفة, من ناحية اخرى فإن هذه (العولمة) في عالم الاقتصاد تبدو اكثر وضوحا وتحديدا فالانتقال الحر لرأس المال والانتقال الحر نسبيا للتقنية جعلا من نتائج العولمة الاقتصادية امرا مشاهدا في عالم اليوم. فمن بين اكبر مئة اقتصاد في العالم هناك واحد وخمسون ليست تابعة لبلدان بعينها وانما لشركات عبر قومية بينما لا تشغل اكبر 200 شركة في العالم من قوة العمل غير اقل من ثلاثة ارباع, واحد في المئة من قوة العمل في العالم, ولكنها تستحوذ في الوقت ذاته على 28 في المئة من النشاط الاقتصادي العالمي كما تستحوذ 500 شركة عالمية على 70 في المئة من التجارة العالمية, وتشبه هذه الشركات المقاطعات الاقطاعية التي تطورت فأصبحت امما في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في اوروبا يدير هذه الشركات امراء الاقتصاد الجدد, صغار السن الذين يعملون في الغالب في شركات تزاوج بين البورصة الالكترونية وثقل متزايد لشركات المعلومات. الصراع العالمي بين دول ديمقراطية صناعية ودول اشتراكية كان هو اهم المحركات والدوافع للاسراع بالعولمة كما نعرفها اليوم. على المستوى التقني اضطرت الولايات المتحدة مع حليفاتها الى تحرير التجارة العالمية تدعيما لفكرها الاقتصادي, والدفع بالنمو الاقتصادي كوسيلة لمحاربة الشيوعية كما استعانت بفكر حليف لا يقدر بثمن ضد الشمولية التي اخدت في الانتشار بين شعوب عدة في ارجاء العالم, وذلك لصد افكارها وممارساتها وقد ادت المحاولات الدؤوب الى تقليل متوسط التعرفة الجمركية بين الدول الصناعية حتى وصلت الى 5 في المئة في العام 1999 بعد ان كانت 40 في المئة في 1946. هذه الظاهرة الاقتصادية في الاساس لها تجليات سياسية وثقافية واجتماعية ففي الفترة بين العامين 1950 و1971 تحولت الدول التي يقطن بها حوالي 33 في المئة من سكان العالم من نظام اقتصاد السوق الحر الى نظام التخطيط المركزي الاشتراكي, لتعود مرة اخرى منذ التسعينيات الماضية الى حظيرة اقتصاد السوق في ضوء اقتناعات تكاد تكون مستقرة لدى الجميع بأن نظام السوق الحر هو النظام الاقتصادي الامثل, الذي يمكنه تحقيق نمو طويل الاجل ويحقق تقدما في مستوى المعيشة للناس, ويحمل معه ايضا قيم التنافس والشفافية والحريات الفردية. الخوف من العولمة انما يتمثل في جانبها الثقافي ذلك ان انتقال المال والصناعة والافكار ليس بنفس مقدار انتقال الناس والافراد بل ان بعض الدول الصناعية الكبرى تريد ان تضع سقفا قانونيا لعدد الزوار من دول العالم الثالث تحوطا لاستقرارهم الدائم فيها. ومن الملاحظ ان الخوف الاجتماعي من العولمة يصل الى الدول الصناعية, فقد وجد ان هناك تناسبا عكسيا بين عدد العمال المسرحين من شركة وارتفاع اسهمها في السوق, اي انه كلما اعتمدت الشركات الصناعية على التقنية الحديثة زاد دخلها وبالتالي ربحها لأن التخفف المتزايد من عبء الايدي العاملة الذي يثقل خطى الشركات هو الذي يدفعها الى المضي رشيقة على طريق التقدم وتحقيق المكاسب. وقد سلطت العولمة الضوء على قوة اشعاع الثقافة في ارجاء العالم الذي تحول الى (قرية كونية) فكما ازالت العولمة الحدود بين الدول والاقتصاد فإن تأثيرها من المتوقع ان يزيل الحدود ايضا بين الثقافات, بل انها شكلت بمعنى من المعاني اسهاما في تلاشي نوع من الثقافة الاقتصادية (الاشتراكية) وصعود ثقافة اخرى هي اقتصاديات السوق. لكن التأثير الكامل لـ (العولمة الثقافية) لا يزال بعيدا نوعا ما عن مجاراة التقدم الذي حققه تأثيرها في عالم الاقتصاد وان حدث اختراق ثقافي تشهده الآن في بعض القطاعات السلوكية والقانونية في بعض الثقافات العالمية غير الغربية, ولكن العالم باتساعه لا يزال بعيدا عن التجانس الثقافي على عكس ما هو متوقع من التجانس الاقتصادي والتجاري الظاهري الذي ينتظر ان يجتاح العالم. يعتقد البعض ان للعولمة تأثيرات ثقافية ايجابية ويشيرون اليها بأنها تسمى (تأثيرات التجانس للعولمة) وهي اشاعة الافكار والرؤى والممارسات المتشابهة او المتقاربة او المتجانسة التي تحض على الحداثة, وهي التي تشجع عناصر التكامل والتسامح وتطالب ليس فقط بإزالة الحواجز بين الثقافات وانما ايضا بالتخلص من الابعاد السلبية للثقافات المحلية المعوقة, وهذا الجانب من العولمة الثقافية عادة ما يلقى كثيرا من الادانة والشجب من قبل القومين الجدد والمثقفين الحالمين في العالم الثالث, كما ان العولمة لها ايضا تأثيراتها السلبية ومنها (اثارة وتشجيع الاوجه الاقصائية للثقافة) تلك التي تؤجج النزاعات والصراعات القومية والعرقية والدينية تحت شعارات الدفاع عن الهوية او المصالح الوطنية ومقاومة الجديد. ويقر معظم المفكرين الذي تصدوا بالتحليل لظاهرة العولمة بحتمية حدوث صراعات عدة بين ثقافات العالم نتيجة لرفض كثيرين لبعض عناصر العولمة التي يعتقدون انها ضارة بهم وهو ما جعل مفكرا مثل صمويل هنتنجتون يتوقع اندلاع الصراعات عبر خطوط الصدع الثقافي وهي الخطوط التي تشتعل عندها الصراعات تحديدا. بينما يقر بنجامين باربر بأن الآثار التفكيكية للسوق الكونية سوف ينجم عنها رد فعل معاكس عنيف داخل كل ثقافة وفي كتابه الذي اسماه (الجهاد ضد السوق الكونية) يؤكد ان قيم السوق الكونية العالمية سوف تنتصر في نهاية المطاف على الذين يتصدون لمقاومتها. حيث يقول: (انني اتنبأ بأن الجهاد (اي المقاومة) سينهزم في النهاية (إن لم يكن في اي وقت قريب) امام السوق الكونية وهذا التنبؤ يستند كلية تقريبا الى القدرة بعيدة المدى للمعلوماتية الكونية والثقافة الكونية على التغلب على كل ما يجابههما من ضيق الافق الفكري ومحاولات الابقاء على الكيانات الصغيرة) . هذا المنحنى ليس سائدا لدى كل المفكرين الغربيين فهناك آخرون يرون شيئا مخالفا فالكاتبة الفرنسية فيفيان فورستر تشير في كتابها ذائع الصيت (الرعب الاقتصادي) والذي ترجم حتى الآن الى اربع وثلاثين لغة الى ان هذا المفهوم للعولمة (غير واضح وغير دقيق, وقد همش الدور الثقافي والسياسي والاقتصادي للمجتمع واصبح لدينا احساس بأننا اصبحنا سجناء مصيدة ليس لها منفذ) والمجتمع الذي تصفه بأنه قد وقع في المصيدة هو بالطبع المجتمع الفرنسي ذلك المجتمع القوي سياسيا واقتصاديا فماذا عن المجتمعات الاخرى الضعيفة في العالم؟ لقد ناقش العرب موضوع العولمة كثيرا وربما كان هذا الموضوع هو القضية الوحيدة بعد قضية فلسطين التي استقطبت كل هذا النقاش الذي شارك فيه كثيرون منهم القابل بنتائجها ومنهم الرافض لما سوف تتمخض عنه الجوانب كافة: الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولكن الميل الاكثر الذي لمسته من الحديث والاسئلة في هذا التجمع العالمي في اليونسكو ان هناك (رعبا) حقيقيا من النتائج السلبية المتوقعة للعولمة على كل الاصعدة, خاصة في العالم الثالث الذي ننتمي اليه, فقد جاءتني بعد الندوة مندوبة الهند في المجلس التنفيذي لليونسكو لتقول: (لقد وصفت ما يواجه العرب من مخاطر العولمة وكأنك تصف ما نفكر فيه في الهند, فالمخاطر واحدة, وربما الفرص متماثلة) . لا تشكل العولمة ـ كما سمعت في المناقشات ـ مخاوف ثقافية ولا اقتصادية فقط. فقد حذر محافظ البنك المركزي الفرنسي من مغبة عدم القدرة على التوقع الاقتصادي في ظل طواف رأس المال العالمي بين ارجاء العالم دون قيد او شرط باحثا عن الربح في اي مكان وبأي وسيلة. لن نحقق شيئا من حسنات العولمة (ان كانت حسناتها اكثر) ولن نقف امام سلبياتها (ان كانت سلبياتها اكثر) ونحن واقفون امام بابها كثقافة نرفع صوتنا بالعويل او ندمي اكفنا بالتصفيق, لكنها لن تنتظرنا في كلتا الحالتين: انما الحقائق شاخصة امام اعيننا فلأول مرة في التاريخ يصبح بوسع المرء (الشخص, الفرد, المواطن) بصرف النظر عن انتمائه او لونه او عرقه, او مكان ميلاده ان يتلمس تأثير المتغيرات الدولية من حوله مباشرة وهو بعيد عنها مكفوفة يده عن التأثير فيها, فهو يشاهد هذه المتغيرات في وسائل الاعلام ويتذوقها في طعامه ويحسها في المنتجات الاستهلاكية المعروضة في المتجر القريب من منزله وتصدم عينيه باعلاناتها المضيئة ويلمسها هتافا يكاد يصم اذنيه في شعارات بعضها يعبر عن المشاركة السياسية وحقوق الانسان والشفافية والسوق العالمية وحقوق المرأة, والتعددية وبعضها الآخر يتحدث عن عناوين العولمة الثقافية. لذا فليس متاحا لنا الا ان نقوم بتمهيد الارض من اجل الاستفادة من ايجابيات العولمة ومن جهة اخرى تخفيف ما امكن من سلبياتها وذلك عن طريق التثقيف الواعي, لأن الافكار تجيء دائما قبل الاعمال وهو ما يعكس المغزى البعيد للعبارة التي تتصدر المدخل الرئيسي لمبنى اليونسكو, التي تقول: (لما كانت الحروب تولد في عقول البشر, ففي عقولهم يجب ان تبنى حصون السلام) .