الشارع السياسي والثقافي في مصر يغلي منذ ما يقارب الشهر ويزيد, وتحديدا منذ اقتيد بعض رموز حزب العمل المصري إلى السجن لقضاء فترة عقوبة تمتد بالنسبة لبعضهم حتى السنتين, وبعد ذلك بعشرة أيام فجرت صحيفة (الشعب) ، الناطقة باسم الحزب قضية في منتهى الخطورة عرفت بقضية (الوليمة) نسبة لرواية (ولية لأعشاب البحر) للروائي السوري (حيدر حيدر) والمنشورة في سبع طبعات حتى الآن وكانت طبعتها الأولى في العام 1983 أي منذ أكثر من 17 عاما. (وليمة حيدر) هيجت الشارع المصري, وتسببت في صدامات بين قوات الأمن وطلاب الأزهر, وأثارت عاصفة في دهاليز الحكومة, وفجرت خلافات بين المثقفين وهذه الحكومة, كما قادت في النهاية إلى تجميد نشاط حزب العمل ووقف صدور صحيفته (الشعب) بقرار من لجنة شئون الأحزاب السياسية. تلفزيون أبوظبي كان موفقا مساء الأحد حينما سلط الضوء على ملابسات القضية ضمن برنامجه الممتع (مقص الرقيب) ملتقطا الصورة من جميع جوانبها ومع كافة أطرافها بحيادية تامة, لكن قرار لجنة الأزهر الذي جاء في ختام البرنامج جعل الأسئلة تنهمر على رؤوسنا كالمطر. وأول الأسئلة: أيعقل أن يكون كل ما حدث بسبب رواية صدرت منذ العام 1983 وتداولها الشارع العربي من أقصاه إلى أقصاه ضمن سبع طبعات تقريبا, دون ضجيج واستنفار؟ فأين كان (حزب العمل) خلال كل تلك السنوات, وأين كانت غضبة د. محمد عباس لله وللقرآن وللرسوم وللمقدسات؟ لقد استوقفني كلام أحد محرري الصحيفة حينما قال: القضية ليست قضية حيدر حيدر فهو حر يكتب ما شاء وينشر أينما شاء, لكن القضية بين الحكومة المصرية ودافع الضرائب (يقصد المواطن المصري) الذي لا يوافق على نشر رواية تتعارض مع ثوابته الدينية وتمول من الضرائب التي يدفعها, إذن الغضبة ليست لله ولرسوله وإنما للأموال المدفوعة للحكومة على هيئة ضرائب! ان سوق الكتاب المصري والعربي والمكتبات كافة تمتلئ بملايين الأعمال الأدبية التي تحوي عبارات جنسية فاضحة كما يرتكز عليها د. محمد عباس في معرض هجومه على الرواية, وربما تكون رواية محمد شكري (الخبز الحافي) أصرخ مثال على ذلك, إذن فلماذا لم تقم القيامة على تلك الرواية, وقامت الدنيا ولم تقعد ضد وليمة لأعشاب البحر؟ ان (وليمة لأعشاب البحر) وبما تمثله من تناول لحياة شخصيات ذات أيديولوجيا متنافرة تعتبر بيئة صالحة لتوظيفها لصالح القضية التي تفجرت, فقد تداخلت فيها المحرمات الثلاث من وجهة نظر الرقابة والمصادرة الرسمية: الدين والسياسة والجنس, فلعب (حزب العمل) على هذه المنظومة ضاربا أكثر من عصفور بحجر الرواية: الضغط على الحكومة للافراج عن سجناء الحزب, وضغط الرأي العام باتجاه ان تتخذ الحكومة موقفا مضادا من وزير الثقافة, والضغط على الشارع الشعبي عشية الانتخابات البرلمانية. فإلى أي درجة يمكن اعتبار الحملة كلمة حق يراد بها, وليس كلمة حق أريد بها باطل؟ السؤال الأهم: هل لا يزال في لاعبي السياسة روح النضال الرومانسية التي تدافع عن المثل والقيم فعلا؟ وهل الواقع السياسي والتربوي والاجتماعي يوفر المظلة الواقية لهذه الروح؟ أسئلة مفتوحة للشارع العربي بانتظار الاجابة.