ان العرب في العصر الحديث يتقنون بناء العمارات الشاهقة وناطحات السحاب التي تكاد تعانق السماء, كما يجيدون تشييد الطرقات والجسور التي تصل إلى أقاصي الأرض وأدانيها, وهم لا يقصرون في اقامة المنشآت والمرافق المختلفة التي يمكن استخدامها في شتى دروب الحياة. ولكن ليس لديهم أي باع في فن بناء الانسان, مع انه الأولى بالعناية والأجدر بالاهتمام والأحق بالرعاية, لأنه يشكل اللبنة الأساسية والعنصر الأول في صرح كل تقدم حضاري حقيقي, ولا شك ان أهم عامل يجب توفيره حتى نتيح لهذا الانسان ان ينمو نموا سليما وصحيحا هو الحرية. فبدونها يشب الفرد حاملا معه العقد النفسية والجمود العقلي وضعف القدرة على اصدار الأحكام واتخاذ القرارات, أما في المجال المادي فلابد ان ينال المرء حاجاته الأساسية مثل المأكل والملبس والتعليم والعلاج الطبي. وهكذا, فإذا توافرت للناس حقوقهم المادية والمعنوية, يصبح الجو مناسبا لبناء الانسان, بطريقة سليمة, غير ان عملية البناء تحتاج إلى أدوات عملية, نذكر منها التربية والصحافة والكتب والاذاعة والتلفاز والمحاضرات, وكذلك النقاشات والحوارات الشفهية. وسنعالج في هذا المقال دور التربية والصحافة اللتين تشتركان في مهمة تعليم الانسان وتثقيفه وتوجيهه وتكوين شخصيته, كما تلتقيان التقاء مباشرا وتلتحمان في عمليات مشتركة عديدة, ففي مضمار كليات الصحافة ومعاهد الاعلام مثلا تسهم التربية في تخريج صحفيين واعلاميين بواسطة تعليم المادة الصحفية. وفي مجال المجلات التربوية تسهم الصحافة في تعليم المادة التربوية, فتقدم الثقافة التربوية للقراء في طبق صحفي شائق, حتى يفيد منها المختصون والمخططون التربويون في مؤسساتهم التربوية, وكذلك المعلمون في مدارسهم, والآباء في منازلهم, وهناك ميادين أخرى كثيرة تنصهر فيها التربية والصحافة في بوتقة مشتركة, إلا ان هناك حقولا أخرى عديدة يختلفان فيها, ويؤدي كل منهما دورا بعيدا عن دور الآخر. أ ـ فالهدف الأساسي من التربية هو التعليم الذي يبدأ بتعليم القراءة والكتابة والعمليات الحسابية من جمع وطرح وضرب وقسمة, أي ان المبتدئين هم الذين يلتحقون بالمدارس, أما الصحافة فلا يستطيع الافادة منها إلا الذين أتموا مرحلة التعليم الأساسي تقريبا, باستثناء بعض المجالات المخصصة للأطفال والتي يفيد منها هؤلاء في المراحل الدراسية المبكرة. وبتعبير آخر, فان الأميين والمتعملين على السواء يتمكنون من الارتشاف من معين التربية, غير ان القادرين على القراءة وحدهم يستطيعون ان ينهلوا من ينابيع الثقافة الصحفية. ب ـ ان التربية المدرسية والجامعية النظامية تنتهي بالتخرج وبإجراء بعض الدورات التدريبية المكملة, لكن الصحافة تشكل ضربا من التربية المستمرة التي لا تحدها حدود زمنية, وهي تتيح للقارئ ان يطالع الصحف والمجلات مدى حياته. جـ ـ ان قراءة الكتب المدرسية تنحصر في طلاب المدارس والجامعات, أما الدوريات فمجالها أوسع وأفقها أرحب, لأن الناس العاديين والمثقفين والطلاب على حد سواء يمكنهم استخدامها. د ـ تتضمن الكتب المدرسية والجامعية معلومات مبدئية وأولية قد تتسم بالجمود وعدم مجاراة التطور ومسايرة المستجدات, وان كان الكثير منها يتم استبداله بين الحين والآخر. أما المعلومات التي تضمها صفحات الصحف والمجلات, فإن معظمها يواكب الأحداث ويمتاز بالحداثة ومسايرة التطور ويرتبط بالمناسبات والوقائع المستجدة. هـ ـ ان الكتب المدرسية والجامعية محلية, يختار منها كل بلد ما يناسبه ويلائم أوضاعه التعليمية الخاصة, ويحدث احيانا ان تشترك دولتان أو أكثر في بعض هذه الكتب, إذا كانت بينهما اتفاقيات تربوية توحد مناهجمها, أما الدوريات ولاسيما الراقية فتنتشر خارج القطرالذي تصدر فيه, ويتم توزيعها في أنحاء عديدة من الوطن العربي, مما يجعل لها دورا قوميا وتثقيفيا واسع النطاق. و ـ ان المعلومات والبيانات التقليدية في الكتب المدرسية والجامعية تكون في بعض الأحيان مملة وتبعث على السأم في حين ان الصحافة توفر للقراء عنصر المتعة والتسلية والترويح عن النفس, ومن ذلك الطرائف والمسابقات والصور والنبذ وغيرها. ز ـ ان قراءة الكتب المدرسية والجامعية الزامية ومقيدة بحدود الزمان والمكان والامتحانات, أما الدوريات فمطالعتها اختيارية ومفتوحة. ح ـ في المدرسة أو الجامعة, لا يستطيع الطالب انتقاء المعلومات التي يرغب في دراستها, لأن الكتب الرسمية مفروضة عليه, أما في الصحافة, فإن القارئ حر في اختيار الدورية التي تروق له وتلبي احتياجاته وترضي ذوقه. كما انه يستطيع من جهة أخرى ان ينتقي من الدورية نفسها المواد التي تهمه بشكل خاص. ط ـ ان الصحافة يفترض ان تمارس الرقابة على أجهزة الدولة, وتسهم في حل مشكلات البلاد. ولكن مثل هذه الأمور غير واردة في التربية إلا ضمن حدود نظرية ضيقة. وهكذا يتبين ان لكل من التربية والصحافة, على الرغم من وجود مجالات واسعة للالتقاء بينهما, أدوارا مختلفة, إلا ان من أهم نقاط الاختلاف بينهما في نظرنا ان التربية تعمل على المدى الطويل, ومفعولها لا يظهر إلا على الأجل البعيد جدا. أما الصحافة فمردودها فوري, ومن هنا تنبع أهميتها البالغة. ومهما يكن من أمر, فحتى تنجح التربية والصحافة في بناء انسان عربي قادر على خدمة الوطن, فإن عليهما ان تكونا على مستوى التطورات الحديثة التي تشق مجراها في العالم, وهذا يعني ضرورة تجاوز الصيغ والوصفات والرؤى التربوية والصحفية القديمة التي تقوم على حشو العقول بالمعلومات, وعلى التوجيه التلقيني المكرور, وبدلا من ذلك لابد من التوجه نحو تعريف الانسان العربي بالحقائق الموضوعية المحيطة به, سواء السياسية أو العلمية أو البيئية, بطريقة حيادية وتعددية, ونحو اثارة الوعي الحضاري عنده, وكذلك غرس القيم العصرية الخاصة بالمجتمع المدني والديمقراطية في أعماقه, ولا شك ان عصر العولمة والانترنت الذي نحياه اليوم يختلف عن العصور السابقة البائدة. فلابد والحال كذلك من ان تتبنى الصحافة والتربية مفاهيم جديدة متطورة تختلف عن المفاهيم القديمة التي عفا عليها الزمان.