يشارك اليمن احتفالاته هذا الاسبوع بالذكرى العاشرة لانجاز وحدته في 22 مايو 1990 عدد ضخم وغير مسبوق من الرؤساء والوفود الرسمية والشعبية العربية والدولية, وذلك أن الوحدة والتكتلات السياسية والاقتصادية أبرز سمات العصر وواقعيته في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية برمتها ونهاية الحرب الباردة, وإنفراد أمريكا بقيادة النظام الدولي الجديد, بينما الوحدة هدف استراتيجي قومي عزيز على كل عربي تواق لاستعادة ما كان للأمة من بأس وقوة ولحمة وزخم حضاري, فلما نكبت بالاستعمار ومناهج وآليات التجزئة والتشطير والقطرية, لكأنما اصابها داء فقدان المناعة في مواجهة مخططات الهيمنة على مقدراتها والتدخل الاجنبي في شئونها واحتواء ارادتها وتجريدها من استقلاليتها, فلا أقل من ان نتساءل بالمناسبة عن سر الركض العربي المحموم للانضواء تحت مظلة التبعية الامريكية والهرولة نحو تطبيع العلاقات مع اسرائيل, إلا أن نكون قد تنكبنا الطريق الصحيح للوحدة, فهانت علينا كرامتنا فهنا على اعدائنا, وعلينا أن نتساءل عن ذلك الترويج الاعلامي والسياسي والنفسي المكثف لجدوى وصواب دعاوى التعاون والانسجام مع مناهج وآليات النظام الدولي الجديد والاتساق مع الاستراتيجية الامريكية الكونية وبلع الطعم الاسرائيلي الخاص باحلال السلام الشامل والعادل, رغم أن رجل الشارع العربي البسيط يدرك بطلان تلك المزاعم ورهاناتها الخاسرة, وإنها لا تستهدف سوى كسب الوقت وتغييب الوعي واستلاب حقوق أمتنا المشروعة لكي تقترب الساعة التي تصدر أمريكا واسرائيل أوامرها للعرب, فيأتمروا طائعين صاغرين فيما لو استمر انزلاقهم هكذا تباعا إلى الهاوية. يحدث ذلك وما أغنانا عنه, بينما يملك العرب كل المقومات الضرورية للوحدة والقوة والتقدم لدولة كبرى, فالعرب يملكون ميراثا حضاريا وثقافيا وروحيا ينهلون منه ويعيشون عليه ويميزهم عن الدول النامية أو المتخلفة, ويتكلمون لغة عربية واحدة, ولديهم اضخم احتياطي عالمي من النفط والغاز بما يضمن الطاقة المحركة لعجلة الحياة والتنمية, وأكبر محفظة مالية في مصارف العالم فضلا عن مختلف أنواع الخامات ومواد البناء التي تنهض بها الصناعة والعمران, وتمتد في ربوع الوطن العربي بملايين الكيلومترات الاراضي الخصبة لا ينقصها مياه الانهار والامطار حتى تفي بحاجة السكان من الغذاء واللحوم ويفيض, ثم أن الانهار والبحار مصدر الثروة السمكية ووسيلة للانتقال, لكن أثمن ما تملكه الامة العربية هو الانسان المبدع الخلاق الصبور, من العمال المهرة والحرفيين والعلماء والخبراء والمفكرين, وكذا الجامعات والمراكز العلمية, وكلهم سواعد وعقول النهوض بمهام الوحدة, بينما لا يوجد في العالم مثيل للدول والشعوب العربية في جوارهم الجغرافي وتلاحمهم الديمغرافي والانفراد بمختلف الاجواء المناخية والمعالم السياحية, ثم ما يؤلف بين العرب اجتماعيا بالنسب والمصاهرة, ووجدانيا عبر وحدة المشاعر والتذوق للفنون والآداب والتراث . والحقيقة أنه ما كان لوحدة اليمن أن تتحق أو يستعيد الشعب اليمني سابق وحدته, لولا نجاح الثورة في الشمال أولا في تقويض حكم بيت حميد الدين يوم 26 سبتمبر ,1962 ونجاح ثورة اكتوبر 1963 في تحرير الجنوب من بئر الاستعمار البريطاني يوم 30 نوفمبر ,1967 كذلك لولا جمال عبد الناصر شخصيا لما كتب لأي من الثورتين النجاح على غرار الفشل الذي لحق من قبل بكل ثورات اليمن وانتفاضاته الشعبية, عندما لم تجد لها نصير يدعمها ويدافع عنها في الوطن العربي, فكان مصير قادتها قصف رقابهم بضربات سياف الامام في ميدان (العرضي) وربما الموت البطيء الممض في سجون حجة والقلعة, وهكذا عندما التقى عبد الناصر أواخر الخمسينيات بقيادة حركة الاحرار اليمنيين في القاهرة, وتبادل الرسائل وبرقيات الشفرة الديبلوماسية مع تنظيم الضباط الاحرار في اليمن, وعد بدعم ومساندة خيارات الشعب اليمني في التحرر والانعتاق, بشرط قيام الثورة بجهودها الوطنية الذاتية, وبشرط تعرضها للعدوان من الخارج, وأن يوجه النظام الجمهوري الجديد في صنعاء الدعوة إلى مصر للتدخل بطريقة مشروعة لا تتعارض مع القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. ولعل من المفارقات السياسية بينما كانت بريطانيا تنسحب تدريجيا من منطقة شرق السويس لعجزها عن الوفاء بكلفة قواعدها, كانت مصر تمد جسرا بحريا وآخر جويا حملا زهاء 85 ألف جندي في وقت الذروة للدفاع عن خيارات الشعب اليمني, ولم تكن الحملة عسكرية فحسب, إذ كانت حضارية بالتزامن, وضمت المهندسين والاطباء والمدرسين وخبراء الادارة والتنمية والاعلام, ولعبوا دورا مقدرا ومضنيا في انتشال الشعب اليميني من جب التخلف ومواكبة القرن العشرين, لكن عبد الناصر لم يهنأ له بال والشطر الجنوبي من اليمن يزرح تحت نير الاستعمار البريطاني, فلما زار مدينة تعز اشار بأصبعه تجاه الجنوب وقال (على الاستعمار أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل من عدن) , وكانت مقولة عبد الناصر مؤشرا لقيادة القوات المصرية في اليمن للتحرك, وعلى الفور بدأ التخطيط للعملية (صلاح الدين) التي استهدفت دعم الثورة في الجنوب, عبر تدريب كوادرها على حرب العصابات وتزويدهم بالسلاح والمتفجرات والعتاد.. ورحل الاستعمار البريطاني من عدن والمحميات إلى غير رجعة. فإذا كان جمال عبد الناصر قد ذاق مرارات الاحباط والانكسار عندما داهمت المؤامرة الانفصالية الوحدة المصرية السورية واجهضتها, فأحسب أنه اليوم قرير العين, بعد أن رد الشعب اليمني الاعتبار لفكرة الوحدة العربية, خاصة أن الوحدة اليمنية صادفت القناعة الرسمية والشعبية حول ضرورات نهوضها على قواعد راسخة من الديمقراطية والتعددية السياسية ومبدأ التداول السلمي للسلطة ورعاية حقوق الانسان, ومن هنا ظهرت التحديات التي واجهت دولة الوحدة اليمنية ولاتزال بالنظر إلى مقدمتها الثورية والقومية, وكونها اختراقا لخطوط حمر عربية واقليمية ودولية في هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية من العالم.