قرية أبو ديس في الضفة الغربية سوف تكون ـ وفق تصور اسرائيلي وموافقة فلسطينية مبدئية لم تعلن ـ عاصمة (الدولة) الفلسطينية المرتقبة بعد أن يطلق عليها اسم (القدس) .. وربما (القدس الشرقية) . فهل هذه الصيغة ابتكرت الان كحل وسطي، وبتنازل فلسطيني في المفاوضات الرسمية الجارية بشأن قضايا (الوضع النهائي) لاخراج العملية التفاوضية من ازمتها ام ان القصة قديمة نسبيا؟ للاجابة على هذا السؤال لا يحتاج المراقب الا الى نظرة واحدة الى قرية أبو ديس نفسها. فمنذ شهور طويلة يتواصل العمل في مشروع مبنى ضخم وفاخر دون ضجة أو اعلان. هذا المشروع من تمويل السلطة الوطنية الفلسطينية.. والمبنى هو مقر برلمان (الدولة) الفلسطينية المرتقبة. هنا موضع ريبة. فلماذا وقع اختيار قادة السلطة الفلسطينية على قرية أبوديس تحديدا لتكون مقرا للهيئة التشريعية الدائمة لمؤسسة الحكم الفلسطينية. ومما يعزز الشك انه بينما تتوارد اخبار هذا المشروع الكبير من حين لآخر في وسائل الاعلام الغربية والاسرائيلية فان السلطة الفلسطينية تظل متكتمة عليه تماما. هذا التكتم المريب هو الذي, مع مؤشرات اخرى يغري المراقبين بأن هناك صفقة سرية مبدئية ابرمت ربما بصورة غير رسمية تماما بين مسئولين اسرائيليين وفلسطينيين توافق بموجبها القيادة الفلسطينية على قبول أبوديس عاصمة للدولة الفلسطينية المرتقبة. واذا صحت هذه الفرضية المحتملة فان معنى ذلك ان القيادة الفلسطينية العليا تنازلت مبدئيا عن حقها الذي تطالب به في القسم الشرقي لمدينة القدس لتكون عاصمة فلسطينية مستديمة. في هذا السياق يلفت الانتباه ان يوسى بيلين الوزير في حكومة ايهود باراك الراهنة نشر كتابا عند اواخر السنة الماضية شرح فيه (مشروع أبوديس) كعاصمة مستقبلية للفلسطينيين. ورغم ان الكتاب لا يتضمن قولا صريحا وقاطعا بأن قادة السلطة الفلسطينية موافقون على المشروع الا ان المؤلف يذكر في مواضع كثيرة أنه ناقش المشروع مع مسئولين فلسطينيين. والمعضلة التي تواجهها القيادة الفلسطينية الان هي كيفية (بيع) فكرة ابوديس على أنها القدس؟ جغرافيا تعتبر القرية من ضواحي القدس الشرقية لكن هذه الحقيقة الجغرافية لا تضفي عليها الحقائق التاريخية والدينية التي تنفرد بها القدس. حل هذه المعضلة في اطار التنازل الفلسطيني المبدئي عن اي مطالب سيادية بشأن القدس الأصلية والقبول بالقدس المزيفة كعاصمة فلسطينية مستقبلية هو على رأس أجندة المفاوضات السرية التي تجرى حاليا بين ممثلين لعرفات وممثلين لباراك. لكن المشروع التفصيلي الاسرائيلي لحل المعضلة منشور اعلاميا. وينص المشروع على (مشاركة) فلسطينية شكلية مع الاسرائيليين في إدارة القدس الشرقية على مستوى مجلس بلدي فلسطيني. وحتى (المشاركة) الفلسطينية على هذا المستوى المتواضع محكومة بشرطين في المشروع الاسرائيلي: أولا تكون السيادة على القدس بشقيها الشرقي والغربي لاسرائيل. ثانيا, يكون المجلس البلدي الفلسطيني في القدس الشرقية خاضعا للسلطات البلدية الاسرائيلية. هل نتوقع اذن ان صيغة (الوضع النهائي) للارض الفلسطينية التي سوف ترتضيها القيادة الفلسطينية بالاتفاق مع الطرف الاسرائيلي سوف تشمل على المشروع الاسرائيلي للقدس اما بحذافيره او بتعديلات يسيرة لا تمس جوهره؟ اذا حدث هذا فان المواجهة الفاصلة بين القيادة الفلسطينية وشعبها الغاضب سوف يكون قد آن اوانها.