مع انطلاق السباق الرئاسي لعام 2000 بخطى وئيدة, تركز اهتمام اجهزة الاعلام على انتخابات مجلس الشيوخ في عدد محدود من الولايات يحتدم فيها السباق على المقاعد, وتأتي في مقدمتها ولايات نيويورك ونيوجيرسي وميتشجان. وحتى مع اعلان ان رودي جويلياني عمدة نيويورك لن يسعى للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري له ضد السيدة الامريكية الاولى هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية, للحصول على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ فإن هذا السباق قد هيمن على عناوين الصحف في الايام الاخيرة وسوف يواصل هذه الهيمنة خلال الاسابيع المقبلة. وقد استقطب الانتباه كذلك قيام السناتور الامريكي العربي سبنسر ابراهام بترشيح نفسه لشغل المقعد الذي يشغله حاليا عن ميتشجان مجددا, ويرجع اهتمام الضحف القومية بهذا الموضوع الى الحملة الاعلانية السلبية الضارية التي يشنها خصومه والتي يتصدى لها انصاره. وعلى امتداد عدة شهور تعرضت مواقف ابراهام المؤيدة للهجرة لهجمات حادة في اعلانات, عبر التلفزيون والاذاعة والصحف, تشنها جماعة متطرفة في عدائها للهجرة والمهاجرين والآن وقد بدأت مجموعة اكثر تأييدا لابراهام في تبني هجمات قوية في معرض الرد, فإن البعض يدعو للتوصل الى اعلان هدنة بين الجانبين وهناك تخوف من انه اذا لم يتم كبح جماح هذه الاعلانات السلبية, فإن القضايا الحقيقية والشخصيات الفعلية للمرشحين لن تبرز باعتبارها جوهر الحملة الانتخابية. وبحسب الوضعية الراهنة للأمور, فإن ما يلم به الناخبون فيما يتعلق بالمرشحين لا يعدو ان يكون تصورات كاريكاتيرية ترسمها الاعلانات. وهناك سباق آخر على مقعد من مقاعد مجلس الشيوخ يبرز قوة المال والاعلان هو السباق الديمقراطي التمهيدي في نيوجيرسي, حيث يجد الحاكم السابق جيم فلوريو نفسه في معركة محتدمة مع المصرفي الاستثماري السابق جون كورزاين. وعلى امتداد شهور, كانت كفة الفوز تميل لصالح فلوريو, ولكن الملياردير كورزاين مضى ينفق ثلاثة ملايين دولار كل اسبوع حيث اغرق نيوجريس بالاعلانات المنطلقة عبر التلفزيون والاذاعة ضد فلوريو ولصالح ترشيح كورزاين نفسه ويبدو السجال الآن وقد وصل الى حد التجمد, وهذا هو ما تظهره الاستطلاعات الحديثة للرأي. وقد سجل كورزاين رقما قياسيا بانفاقه مبالغ تتراوح بين 25 مليون دولار الى 30 مليون دولار من امواله الخاصة لدعم حملته الانتخابية, حيث لم يسبق انفاق مثل هذه المبالغ في اطار اي حملة تمهيدية. وهو يواجه اتهاما جليا للعيان بأنه (يحاول شراء مقعد في مجلس الشيوخ الامريكي) . ولكن الاهتمام القومي الذي حظي به هذان السباقان الانتخابيان يبدو شاحبا ومحدودا في مواجهة الاهتياج الاعلامي المحيط بالسباق على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك بين السيدة الامريكية الاولى هيلاري كلينتون وبين الرجل الذي ساد الاعتقاد على مدار ما يزيد على عام انه خصمها المحتمل, وهو عمدة نيويورك رود جويلياني. وخلال الاسبوع الماضي تلقت السيدة كلينتون التي يشار اليها في اغلب الاحوال في اطار حملتها باسم (هيلاري) فحسب, تلقت الترشيح الرسمي لها لخوض الانتخابات في الولاية من فرع الحزب الديمقراطي في نيويورك. وهكذا اصبح الامر رسميا الآن, وتتهيأ المرشحة الديمقراطية للحلول محل السناتور الديمقراطي عن ولاية نيويورك والذي يشق سبيله الى التقاعد دانييل باتريك موينهان اما جمهوريو نيويورك فإنهم لا يزالون حتى في هذا الوقت المتأخر غير متأكدين ممن سيكون مرشحهم ولكن مع عقد مؤتمرهم للولاية في 30 مايو الحالي فإن هذا اللغز سيحل في ذلك الموعد. وعلى امتداد عام بكامله بدا من المؤكد ان جويلياني سيكون المرشح الجمهوري لخوض السباق الى الكونجرس عن ولاية نيويورك فقد شحن حملته على نحو ما يفعل المرشحون, وجمع التبرعات شأن المرشحين كذلك. وقد افلحت حملته في جمع تبرعات وصلت الى 20 مليون دولار, انفق منها حوالي 11 مليون دولار. ومع ذلك فإن عمدة نيويورك لم يعلن ترشيح نفسه رسميا قط. وقد كانت الاسابيع الثلاثة الماضية صعبة للغاية بالنسبة لجويلياني, وقد توجها الاعلان عن انه مصاب بسرطان البروستاتا وان ذلك يقتضي علاجا مكثفا, واعلان انه في غمار الانفصال عن زوجته بعد ان نشرت احدى صحف نيويورك صورا لـ (صديقة) العمدة الجديدة وفي مواجهة هذه التحديات بدأ جويلياني في المراوغة ففي البداية اشار الى انه يريد معالجة قضاياه الصحية والشخصية قبل ان يعلن رسميا ترشيحه,. ثم بعد اسابيع من التأخير والتكهنات اعلن العمدة في نهاية المطاف انه لن يخوض السباق, وقد احدث هذا التطور صدمة في الدوائر الجمهورية على مستوى الولايات المتحدة بكاملها. واعرب الكثير من الجمهوريين عن شعورهم بأن بمقدورهم الفوز في السباق على مقعد نيويورك في مجلس الشيوخ بوجود مرشح قوي مثل جويلياني على بطاقة الحزب. وقد اقيم التأييد الذي حظي به جويلياني على المستوى القومي الى حد ما على شهرته كعمدة, ولكنه كان كذلك نتيجة لمشاعر الكراهية القوية التي يكنها الكثير من الجمهوريين لهيلاري كلينتون. وفي الايام الأخيرة تتبع الاعلاميون واجروا مقابلات مع كبار المتبرعين لحملة جويلياني من خارج ولاية نيويورك. وفي معظم الحالات كانت النغمة السائدة هي ان تأييدهم لجويلياني مرتبط برغبتهم في (ايقاف هيلاري) . وهناك الآن غضب وحيرة في المعسكر الجمهوري ويشعر البعض على نحو جلي بخيبة الامل ازاء خيانة جويلياني لزوجته وهناك آخرون احبطهم الواقع المتمثل في ان الملايين التي جمعها وانفقها قد تم تبديدها بلا طائل وهناك اخرون يريدون ان يبادر جمهوري آخر باستجماع شتات حملة انتخابية والمبادرة بايقاع الهزيمة بهيلاري كلينتون. والآن قد قرر جويلياني عدم خوض السباق, فإن هناك العديد من المرشحين الذين يمكن ان يواصلوا مسيرته. وكلهم على وجه التقريب اقل شهرة منه باستثناء الحاكم الجمهوري الحالي جورج باتاكي ويبدو ابرز المتسابقين في هذه اللحظة متمثلا في اثنين من اعضاء مجلس النواب الجمهوريين ينتمون الى لونج ايلاند, وهما المحافظ ريك لازيو, والمعتدل بيتر كينج. واذا اختير اي منهما فإنه سيكون بحاجة الى بعض الوقت للتمكن من احراز شهرة على مستوى الولاية. غير ان الامر المدهش هو انه ايا كان المبرز باعتباره المرشح الجمهوري الفعلي لخوض هذا السباق, فإن الطابع الاساسي للسباق سيظل كما هو وفي حقيقة الامر فإنه في الوقت الراهن ربما يكون المرشح الاقل شهرة هو الذي سيصبح متحديا اكثر قوة للسيدة كلينتون. وفي غمار التعقيب على هذا قال السناتور الجمهوري السابق عن ولاية نيويورك الفونسو داماتو: (اعتد ان هيلاري ينبغي الآن ان تكون اكثر خوفا من المجهول) ومضى مشيرا الى انه اذا قرر جويلياني عدم خوض السباق وتم احلال عضو مجلس النواب الجمهوري ريك لازيو محله فإن: (لازيو لن يكون مرشحا جبارا فحسب, وانما سيكون كذلك) . وقد كان جويلياني في العديد من الجوانب مرشحا جريحا بالفعل فقد ادت معالجته لعدد من القضايا ومن بينها وحشية رجال الشرطة الى الاضرار بالصورة الجمهورية في صفوف بعض المرشحين ولا شك في ان الاسئلة التي طرحت حول وضعه الصحي قد اثرت عليه ويظل الامر الاكثر الحاقا للضرر به هو سلوكه حيال زوجته ـ فخيانته لها وانفصاله عنها ربما كان قد ازالا اي ميزة ربما حظي بها لدى اولئك الذين ازعجتهم المشكلات التي عصفت بزواج كلينتون. وفي حقيقة الامر فإن الميزات الكبرى التي ساعدت جويلياني على بناء صرح التأييد الذي تمتع به يمكن تحويلها الى اي جمهوري آخر وقد تستخدم بشكل افضل من قبل اي جمهوري لا تعرقله مثل هذه الاغلال. وهناك امران حاسمان في هذا السباق النيويوركي. ويظل الاكثر اهمية منهما متمثلا في الكره العميق الذي يكنه الجمهوريون لآل كلينتون. ولا يزال الازدراء الذي يكنه اقصى اليمين للرئيس الامريكي وزوجته عنصرا اساسيا في السباق بغض النظر عمن سيترشح ضد هيلاري كلينتون وتضاف الى هذا الحقيقة القائلة انه بالنسبة لبعض ابناء نيويورك فهناك ضيق من قرار هيلاري كلينتون بالانتقال الى الولاية والترشح لمنصب السناتور الذي ينوب عنها وهم يستخدمون وصف (كاربتباجر) في وصف انتقالها الى الولاية وهي كلمة مثقلة بالازدراء استخدمت اصلا لوصف السياسيين الشماليين الذين انتقلوا الى الجنوب لاداراته بعد هزيمته في الحرب الاهلية الامريكية. وبالاضافة الى هذا (العامل الكلينتوني) فإن انتخابات نيويورك سوف تحسم على اساس القضايا, وبينما يشارك جويلياني وبعض المرشحين الجمهوريين الاخرين المحتملين هيلاري كلينتون في مواقفها الليبرالية حيال ما يوصف بـ (القضايا الاجتماعية) (الاجهاض, والهجرة... الخ) فإن هناك انقساما عميقا ازاء السياسة الاقتصادية واولويات الميزانية. ولا شك في ان هذا هو السر في ان هيلاري كلينتون قد شددت مرارا وتكرارا في خطابها الذي القته في المؤتمر الذي عقده الحزب الديمقراطي في نيويورك خلال الاسبوع الماضي على ان (هذه الانتخابات ليست متعلقة بي او بمنافسي الجمهوري... وانما هي متعلقة بالاطفال, متعلقة بالعائلات, ومتعلقة بالمستقبل) . ومنذ عدة شهور اظهرت استطلاعات الرأي ان هذا السباق يعكس تعادلا مذهلا ففي احد الاسابيع تبرز هيلاري كلينتون متقدمة على منافسها نقطة لاقيمة لها, وفي الاسبوع التالي يتقدم جويلياني بنقطة تفتقر الى القيمة على النحو ذاته. والامر الذي كان من المهم ملاحظته هو انه على امتداد ستة اشهر او يزيد لم يحرز اي منهما ما يزيد على 45% ومن المهم كذلك وجود اعداد كبيرة من الناخبين الذين انتموا الى اي من المعسكرين بقوة والنسبة المئوية الصغيرة نسبيا لألئك الذين لم يتخذوا قرارا محددا بعد. وحتى بعد خروج جويلياني من السباق وحلول جمهوري اقل شهرة منه, فإن استطلاعات الرأي تظهر ان اعداد مؤيدي هيلاري كلينتون في مواجهة اي من هذه الشخصيات المحتملة لا تزيد على نقطة او نقطتين في التقرير بالنسب المئوية وفي غضون اسابيع قلائل بعد بروز مرشح جديد سيجد نفسه, غارقا في التنافس المحتدم والمتضارب عينه ضد هيلاري كلينتون. ومن جانبها بدأت حملة هيلاري كلينتون بالفعل في الاعداد لشن هجوم على من سيتقدم لخوض غمار السباق ضدها. وكما هو متوقع, فإن سباق نيويورك هذا سيكون سباقا ساخنا وتستخدم فيه كل الوسائل غير ان الاحتدام الذي سيثيره لن يحرك الا قلة من الناخبين من اماكنهم, ذلك ان معظم الناخبين قد اختار بالفعل الجانب الذي سيصوت لصالحه اي التصويت لهيلاري اوضدها, والتصويت للأولويات الديمقراطية او الجمهورية. وفي نهاية المطاف, فإن هذا السباق وبغض النظر عن الاحتدام الذي سيصل اليه وكل الاموال التي ستنفق فيه وكل الاهتمام القومي الذي سيحظى به, فإنه في الغالب ستحسمه عدة مئات آلاف محدودة من الاصوات. ولكن حتى يحدث ذلك فإن معركة كبرى ستثور وشأن عدد محدود اخر من سباقات مقاعد مجلس الشيوخ المحتمدمة فإنها ستواصل استقطاب اهتمام الصحافة على المستوى القومي على حساب السباق الرئاسي.