أغلب الصحف التي طالعتها صباح الأمس اختارت لصفحتها الأولى صورة الصبي الفلسطيني الذي عبأ قميصه بالحجارة ووضع كتابه في جيب بنطاله, وبكل ما يحمله من غضب راح يلقي بالحجارة على الجنود الصهاينة قرب مستعمرة نتساريم جنوب مدينة غزة, وكم هي مفارقة نحن في أمس الحاجة لأن نتدبرها: الحجارة والكتاب... الغضب والنور, وقول الشاعر: حجارة القدس نيران وسجيل وفتية القدس أطيار أبابيل وقبلها بيوم واحد تسلمت رسالة من أحد القراء الأعزاء لم تكن الرسالة ورقة دوّن فيها صاحبها رأيا أو اعجابا أو هجوما, كل ما احتواه ظرف الرسالة صورة لطفل فلسطيني من مدينة الخليل يقتاده رجال الشرطة الاسرائيلية بوحشية الحقد والهراوات وعنجهية الصلف والاعتداء. كل ما قاله القارئ كتبه أسفل الصورة: أيستطيع قلمك وصف هذا؟ والقضية أيها القارئ الكريم ليست في أن نصف ما نرى بأقلامنا أو بأفواهنا, القضية في أن نشعر أو نحس ونعاني جراء ما نسمع ونرى أم لا؟ وأيضا ليس منتهى الحل في أن نشعر ونحس ونعاني بل في ماذا نفعل بعد ذلك؟ وهنا يسقط الجميع أمام الاستسلام وخيارات الحكومات العربية وتغلغل المصالح والارتباطات الاقتصادية, فترى الجميع يقولون الجملة نفسها وبشكل يدعو للأسى: وماذا بأيدينا أن نفعل؟! الأهل في فلسطين المنقوعون في الفجيعة والدم وأحقاد الصهاينة منذ بدايات القرن يعرفون, وصهيل الغضب في قلب أطفال فلسطين وشباب المقاومة اللبنانية في الجنوب الصامد يعرفون, ويعرفون أكثر ما الذي ينفع مع اسرائيل وصلف حكومة باراك وتراخي رجال السلطة الفلسطينية المطاردين بملفات الفساد وتهم لا حصر لها. والذي ينفع هو بالتحديد ما يفعله هؤلاء الفتيان الذين يقذفون الحجارة في وجه القمع الصهيوني والتراخي العربي. وإذا كانت اسرائيل العدوة تقمع وتشرد وتكسر العظام فذلك لأنها عدوة ولا ينتظر من العدو غير أن يجاهرك بالكراهية ورغبة الاجتثاث, لكن أن يجاهرك بالخيانة والقمع أهلك الذين أقسموا على خدمة القضية والولاء لتراب فلسطين وصرخوا ذات يوم في السودان حيث الكل يحارب الكل هناك لا صلح لا اعتراف لا مفاوضات.. فماذا يستطيع القلم أن يصف بعد كل ذلك؟ أين ذهبت لاءات الخرطوم إذا كان لا يزال هناك من يتذكرها؟ ربما - بل بالتأكيد - إلى مكبات النفايات التاريخية الموجودة في سراديب عقول وقصور الزعماء البواسل الذين تحولوا إلى رجالات مفاوضات ببدلات سموكنج فاخرة وسيارات مرسيدس آخر طراز وبعضهم صاروا مستشارين لدى الأمم المتحدة - كنوع من مكافأة نهاية الخدمة! أما أغلبيتهم فقد تحولوا بقدرة قادر من حملة كلاشينكوف إلى حملة آلات حاسبة ودفاتر شيكات حساباتها بالملايين! من أين لهم كل ذلك؟ البركة في القضية؟ وأين صارت القضية اليوم؟ صارت حجارة في يد طفل يعبئ قميصه بها وينسى كتابه في بنطاله ويمعن في حقده على الجميع.