اذا كان احد الاهداف الرئيسية للانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني هو احباط الذريعة التي تتعلل بها المقاومة الشعبية اللبنانية في مواصلة نشاطها القتالي ضد الاسرائيليين فإن اعلان اسرائيل الآن عزمها على الاحتفاظ بمجموعة مزارع لبنانية في المنطقة الحدودية، يعطي المقاومة اللبنانية المسلحة المزيد من الشرعية في نظر العالم والقانون الدولي لمواصلة عملياتها ضد اسرائيل بعد الانسحاب المنقوص. والواقع ان قادة (حزب الله) اللبناني ظلوا منذ ان اعلنت تل ابيب عن نوايا الانسحاب المرتقب يفتشون عن ذريعة كهذه. اكثر من ذلك فإن التمحك الاسرائيلي يضيف شكوكا على شكوك بشأن النوايا التوسعية الاسرائيلية في اراض عربية.. وبالتالي حول مصير ومستقبل (عملية سلام الشرق الاوسط) . مزارع (شبعا) التي يتعاظم الجدل حولها الآن منذ ان اعلنت اسرائيل ان الانسحاب لن يشملهاجرى احتلالها بواسطة قوات اسرائيلية اثناء الحرب العربية الاسرائيلية في عام 1967. حينئذ كانت هناك قوة امنية سورية بعثت بها دمشق قبل اندلاع الحرب لتعقب مهربي المخدرات وكمن يبحث عن اي ذريعة واهية فإن الاسرائيليين يبررون الآن الاصرار على الاحتفاظ بهذه المزارع بأنها ارض سورية وليست لبنانية. وبالاضافة الى ان مثل هذا القول عذر اقبح من الذنب فإن الحكومة اللبنانية ابرزت من جانبها خريطة وثائقية وضعها خبراء وزارة الدفاع الامريكية تبين ان (شعبا) داخل الاراضي اللبنانية ثم ان الحكومة السورية اعلنت من جانبها ان (شبعا) لبنانية. وبعد ذلك شهد شاهد من اهلها (اهل) اسرائيل نفسها فقد اكد استاذ جامعي اسرائيلي متخصص في علم الجغرافيا وهو موشيه براور ان مزارع (شبعا) كانت من نصيب لبنان عندما اقتسمت بريطانيا وفرنسا منطقة الشام عام 1923. ومن الحقائق الثابتة ايضا ان سكان هذه القرى ظلوا حتى عام 1967 يدفعون الضرائب الى الدولة اللبنانية.. كما ان سندات امتلاكهم للمزارع ظلت توثق في الدوائر الحكومية اللبنانية. في كل الاحوال فإن المسلك الاسرائيلي من شأنه ان يثبت صحة الشكوك التي اعلنها في وقت مبكر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع من ان اسرائيل لا تعتزم انسحابا كاملا من الاراضي اللبنانية وانما تخطط لانسحاب انتقائي. وتتسع دائرة الشكوك لتشمل الماضي مع الحاضر. فقد كان الانسحاب الاسرائيلي من ارض سيناء المصرية في اواخر سبعينيات القرن الماضي بموجب معاهدة كامب ديفيد مشروطا بأن تكون سيناء ارضا منزوعة السلاح. وكان الانسحاب من شريحة ارض اردنية بموجب معاهدة وادي عربة مشروطا بأن يقبل الاردن (استئجار) تلك الارض الزراعية لاسرائيل. والآن نرى كيف يبتدع المسئولون الاسرائيلون خرائط للضفة الغربية وغزة المحتلتين بهدف ابقاء سيادة اسرائيلية مغلفة عليها باسم (الوضع النهائي) للاراضي الفلسطينية. ومع تأمل الصورة في اطارها الاعرض فإن اي مراقب محايد ونزيه لابد ان يتساءل ما اذا كان الهدف الاعظم لعملية سلام الشرق الاوسط هو تحقيق مشروع (اسرائىل الكبرى) باقتطاع المزيد من الاراضي العربية خاصة تلك الاراضي التي تتوافر فيها مصادر مياه. من المؤكد اذن ان المقاومة الشعبية اللبنانية سوف تواصل نشاطها بعد (الانسحاب) الاسرائيلي واذا تزامن ذلك مع تعاظم الغضب الفلسطيني الراهن في الضفة وغزة الى مستوى انتفاضة شاملة فإن المنطقة سوف تدخل مرحلة جديدة تماما.