أثار نجاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جملة لا يستهان بها من التكهنات والتوجسات حيال مستقبل الاتحاد الروسي وما ستئول إليه الأمور على كل المستويات, حتى ذهب البعض ومن خلال تكهناته إلى القول ان بوتين هو القيصر الجديد، الذي سيعيد لروسيا مجدها الضائع الذي طالما تغنت به كثيرا بعد انهيار الامبراطورية الشيوعية. أما البعض الآخر فقد أبحر في أحلامه بعيدا وحلق في الخيال إلى حد وصل به حلمه, إلى القول: ان بوتين هو خليفة ستالين الذي سيبدأ بخطوات حثيثة في البناء والاصلاحات الداخلية مثلما فعل سلفه ستالين بعد الحرب العالمية الثانية, وانه سيعيد لذلك البلد المأزوم والمحكوم من قبل المافيا وبعض الدوائر الأمنية والاعلامية والاقتصادية الغربية, هيبته السياسية والأمنية والعسكرية. وسيستحضر مشروع مارشال الروسي, بداية بموسكو وانتهاء بسيبيريا, صاحبة الخيرات التي لا تنضب, انطلاقا من حقيقة دامغة, انه يحكم دولة ما تزال تعتبر قوة عظمى على المسرح العالمي ان كان لجهة امتلاكها لقوات برية وبحرية وجوية ونووية لا تضاهى, أو لجهة قدرتها على الأخذ بزمام المبادرة على المستوى الداخلي وضبط كل ما من شأنه تعكير الأجواء الداخلية مثل قضية الشيشان وغيرها من القضايا المشابهة في القوقاز. لكن على ما يبدو ان ما ينشر على الملأ عبر وكالات الأنباء شيء والحقيقة شيء آخر, فبوتين لن يكون أحسن حالا من سلفه الدب الأبيض المخمور, يلتسين, بل على العكس من ذلك فيلتسين كان يمتلك ارثا اقتصاديا وسياسيا من أيام العصر البائد, واستطالات عرقية ودينية, وعقود اتفاقيات لا تحصى ولا تعد على المستوى الدولي. بالاضافة إلى ان مشكلات القوميات المتأججة هذه الأيام, كانت لا تزال مبسترة في ثلوج سيبيريا فيما مضى, وان الأزمات الاقتصادية لم تستفحل بعد على المستويين الداخلي والخارجي, أي انها كانت أخف وطأة, إذا ما علمنا ان الديون هذه الأيام أصبحت ثلاثة إلى أربعة أمثال عما كانت عليه لحظة انهيار الشيوعية. وان الهيبة الروسية في نظر العالم كانت لا تزال على أشدها, حتى ان الدول العظمى كانت تراهن على عودة روسيا إلى المسرح العالمي في اللحظة التي يرتئيها صانعو السياسة في الكرملين. لكن الآن وبعد أن تكشفت السياسة الروسية على حقيقتها, والتي أخذت تنحو باتجاه دور العميل المكمل للمشاريع السياسية الأمريكية, ضد كل دول العالم بما في ذلك أوروبا التي تسعى روسيا جاهدة للانخراط في اطارها, قد أظهرت ان الامبراطورية صاحبة الدور التاريخي ذهبت ولن يكون الذئب المركب على خلفية بوليسية, والذي جاء بإرادة أمريكية قادرا على اخراج روسيا من أزماتها الخانقة التي تعيشها. حتى ان الحرب بالشيشان المصطنعة والتي كانت تهدف إلى لفت الأنظار باتجاه وحدة روسيا والحفاظ على الأرض بدأت ملامحها تتضح أكثر ازاء هذه القضية, الصراعية المكلفة جدا للمؤسسة السياسية والعسكرية والروسية, والتي منذ اللحظة الأولى لاصطناعها من قبل الذئب الرمادي المفترس شكلت خطرا عليه وعلى مستقبل الاتحاد الروسي برمته. وعلى ما يبدو أيضا ان هذه العملية التي هيأت لبوتين التسلل من خلالها إلى أعلى قمة الهرم السياسي في روسيا, ستكون بحد ذاتها انقلاب السحر على الساحر. خاصة بعد أن بدأت تأخذ الحرب الدائرة مناحي أخرى في ساحات القتال, والتي بدأت تتحول بشكل فعلي إلى حرب عصابات يصعب على الجيش النظامي حسم نتائجها بسهولة, وان هذه الحرب الدائرة لم تذكر بالحرب الشيشانية الأولى وحسب, بل بدأت تذكر كبار دببة وذئاب الجيش الروسي بحرب أفغانستان التي كلفت الجيش الروسي هيبته, والتي كانت إحدى العوامل الهامة في انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه. وإذا كانت قد سمحت الفرصة ليلتسين بسبب المتغيرات الدولية المتسارعة, والمتزامنة مع الانهيارات الداخلية, ما كان يبحث عنه أو بالأحرى ما كان يحلم به بالاستحواذ على حفنة من المليارات من الدولارات دون التعرض إلى أية محاكمة, أو دفع الاستحقاقات التي كان ينتظرها, وحفظ لعائلته كل ما كان يسعى من أجله. فهذا لن يقيض للشاب البوليسي الحالم خريج أكبر مدرستين بوليسيتين في العالم المعاصر, الـ (سي. اي. ايه) والـ (كي. جي. بي) , خاصة وان بناء الدول لم يعتمد يوما على البوليس, فمؤسسات البوليس تجيد لعبة المؤامرة, وحماية المافيات, لكنها لا تجيد وضع الخطط والبرامج الكفيلة لاخراج الاقتصاد المأزوم من أزماته ولا تجيد الحفاظ على وحدة المجتمع, بل بالعكس تماما حتى ولو نجحت ظاهريا بهذه المهمة, لكنها غالبا - من خلال أخلاقية المؤامرة التي تحكمها - ما تزيد من أزمات المجتمع أكثر مما هو عليه. هذا إذا افترضنا جدلا ان الذئب بوتين جاء إلى السلطة بإرادة التغيير الهادفة إلى ترميم ما خلفه الانهيار الكبير الذي حصل على المستوى الداخلي في روسيا, لكن الافتراضات شيء والواقع شيء آخر. فبوتين على ما أعتقد من ذات المدرسة التي خرجت يلتسين, وهذه المدرسة هي التي سيطرت على المال والاعلام والمافيا ومصانع السيارات وان الكرملين بقياداته الحالية هو من طلبة هذه المدرسة, وان رأس هذه المدرسة فلاديمير جوسينسكي الذي يبلغ من العمر 48 عاما وبوريس بيريزوفسكي الذي يبلغ من العمر 54 عاما, وهذان الرجلان يعتبران من أبرز أساتذة هذه المدرسة الخبيثة التي تقود كل الاتجاهات الشريرة بما في ذلك الحرب ضد الشيشان, والعلاقات المميزة مع أصحاب الرأسمال اليهودي داخل وخارج روسيا. وسيدها هو من نفس جيل الذئب الجديد الذي يتولى رئاسة روسيا. والأهم من هذا وذاك ان الذئب الرمادي الحالم بوتين, لن يفلح في شيء أكثر من أن يكون سمسارا يسمح للكارتيلات والمافيات المالية التي تشكلت بمساعدة الـ (سي. آي. ايه) إلى بيع ما تبقى من القدرات العسكرية وتكنولوجيا الصواريخ, والمواد الخام والمصنعة الذرية وخلافها. وسيستعيض عنها بجملة من مشاريع الترفيه الرخيصة, وبعض المحطات التلفزيونية والاعلامية, والعمل على توجيه الجيش الروسي, ومن خلال الارتهان للشروط والرؤى الأمريكية ما أمكن إلى وأد الدول الاسلامية في تلك المنطقة, وشعوبها خاصة بعد أن بدأت تظهر اتجاهات قوية في تلك البلدان تنادي بالعودة إلى الحظيرة الإسلامية. توطئة لادخال الشركات النفطية المافوق قومية, إلى تلك البلدان العائمة على بحار من النفط, وبالتحديد إلى منطقتي بحر قزوين والبحر الأسود. وأما ما يبشر به بعض الاعلام العربي الطيب عن هذه الشخصية التي تسعى إلى عودة روسيا من منطلق قومي, وانها ستقاتل بالنيابة عن الأمة العربية والاسلامية, مقابل رزمة من العقود التي قد توقع, فهذا ناتج عن قصور في الرؤية لطبيعة هذا البلد الذي تآمر يوما مع الولايات المتحدة على اقتسام النفوذ في العالم بمن فيه أبناء جلدته, واليوم يكمل هذه الشروط التي بدأها, لكن بطريقة العسكري الذي يتلقى الأوامر وليس الصانع لها, والمراهنة على هذا البلد باتت ضربا من الجنون ليس إلا.