المعركة المحتدمة التي تدور في القاهرة, وفي غيرها من العواصم العربية, حول نشر احدى هيئات وزارة الثقافة المصرية لرواية (وليمة لأعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر والتي تواكبت مع معركة اخرى حول رواية ثانية في سوريا نفسها, امكن ببعض التعقل تطويق اثارها دليل قاطع على ان موجات الحر والرطوبة التي تنعقد في سماء الامة العربية قد لحست عقول الجميع, حتى انني شعرت وانا اقرأ فصول المعركة ـ او المهزلة ـ بأنني مواطن دائخ في امه دائخة لا تعرف لنفسها يمينا من يسار, ولا رأسا من قدم, ولا شرقا من غرب, بل انني اوشكت احيانا من هول ما اقرأ ان اشبك المنظار في اصابع قدمي وان احشر رأسي في جورب الحذاء. اما المؤكد فهو ان الامة قد اصبحت كذلك منذ سنوات بصرف النظر عن تتابع الفصول, وعن الانتشار المذهل في استخدام المبردات والمدافىء, والزيادة الهائلة في اعداد العرب الذين يسيحون بين المنتجعات السياحية, ويسبحون في المياه الباردة والدافئة. نحن باختصار امة ساحت خلايا عقلها وتداخلت افكارها ولم تعد تعرف في اي اتجاه تسير ولكنها تسير والسلام سواء كان هذا السلام سلام (بوش) و(شامير) او كان سلام (كلينتون) و(باراك) وحتى لو كان سلام (دول) و(نتانياهو) فكله عند العرب سلام, وفي الحركة بركة, ومن بركاتها انها تشغلهم عن التفكير الذي لم يعودوا يصلحون له. ومع ان علاج اي مشكلة او مرض, يبدأ عادة بالتشخيص, اي معرفة اسباب المشكلة, فإن أسوأ مافي الدوخة القومية التي نعاني منها اننا لا نستطيع ان نشخصها ليس لأن التشخيص صعب او مستحيل, اذ هو في الواقع سهل وممكن, ولكن لأننا لا نملك شجاعة ـ او فضيلة ـ النقد الذاتي وان كان كل منا يملك جسارة تحدي العرب الآخرين, والتنديد بهم, ولا يتورع كل منا عن فضح ما يرتكبونه من اخطاء ينسى عادة انها مجرد تنويعات على نفس اللحن النشاز الذي يعزف. نحن باختصار نرى ذرة الغبار في اعين الآخرين, ولا نرى الخشب في اعيننا. وحتى منتصف السبعينيات كانت تتنافس على الخريطة الفكرية العربية اربعة تيارات ايديولوجية رئيسية, منفصلة ومتصلة, ومتصارعة ومتفاعلة, اثنان منها يعبران عن دعاة الاصالة, هما التياران الاسلامي والقومي, بينما يعبر الآخران ـ وهما التياران الليبرالي والماركسي ـ عن المبشرين بالمعاصرة. ولأن الظروف لم تكن مواتية اذ كانت كل اقطارالامة لا تزال تخضع للنفوذ الاجنبي, المباشر وغير المباشر فقد بدأ كل من هذه التيارات نشاطه بمعزل عن الآخرين, بل وضدهم, فبدت الدعوة للمعاصرة دعوة ضد الاصالة, ولقطع كل صلة للامة بجذورها التاريخية بدعوى ان هذه الجذور هي السبب في تخلفها وفي ضعفها وفي بقائها مستعمرة وذليلة وخاضعة, وان السبيل الوحيدة لتحقيق التقدم هي الاخذ بالنموذج الغربي الذي حقق نتائج عملية ملموسة نهضت بمستوى شعوبه ودوله. وبالمثل بدت الدعوة للاصالة كما لو كانت دعوة للارتداد الى الماضي ولاعادة تخليق المجد الذي كان في ظروف لم تعد هي نفس الظروف! ليس هذا فقط بل ان الصراع قد نشب داخل كل معسكر من هذين المعسكرين, بين قطبيه, فالاسلاميون يطالبون بخلافة اسلامية وينظرون الي القوميين باعتبارهم دعاة تغريب لأنهم يقدمون الانتماء للأمة على الانتماء للاسلام, والقوميون ينظرون اليهم باعتبارهم دعاة تفريق يسعون الى تفكيك الامة وتحويلها الى دويلات طائفية وبالتالي اضعافها. في معسكر دعاة المعاصرة دار صراع بين الليبراليين والماركسيين تبادل فيه الطرفان تهم العمالة والتبعية والديمقراطية المزيفة, واهدار حقوق الانسان وتلقي التعليمات من سفارة موسكو او واشنطن! وكان من سوء حظ هذه التيارات جميعها, انها كانت تبشر بآرائها في مجتمعات زراعية او عشائرية, تنتشر فيها الامية ويتسم الرأي العام فيها بالضعف الشديد, وتفتقد للتقاليد الديمقراطية الراسخة, التي تمكنها من فهم الصراع فيما بينها ناهيك عن حسمه لصالح احد الاطراف, وتخضع لسلطة ابوية تقبض بقوة على زمام الامور حتى لا تنتهي الى الفوضى او الثورة او الانقلاب, وهو ما حصر الصراع في دوائر النخبة المثقفة بعيدا عن نبض الجماهير, التي لو كانت طرفا حقيقيا وفاعلا وفاهما, لساهمت في ترشيده وترقيته.. وعلى الرغم من كل تلك الظروف غير المواتية, فقد ساهم التحدي الاستعماري الصهيوني في مرحلة الحرب الباردة في التقريب بين دعاة الاصالة ودعاة المعاصرة, بعد مرحلة من الحروب الاهلية الساخنة التي نشبت بينهم واستخدمت فيها كل الاساليب من الاعتقال الى الحل ومن الموت المدني الى الموت البدني. وكان من ظواهر الاتصال الذي لم يبلغ الانفصال والتفاعل الذي لم يشطب على التنافس ان التيار القومي قد دعم قوميته بأفكار طبقية نقلها بتصرف عن الماركسية فأضاف الاشتراكية الى شعاراته, وبدأنا نسمع عن الاشتراكية الرشيدة, والاشتراكية العربية والتطبيقي العربي للاشتراكية! وكان من بين هذه الظواهر ان التيار الاسلامي قد دعم ثيوقراطيته, بأفكار ديمقراطية لا ترى في الاخذ بالانتخابات خروجا عن مبدأ الشورى في الاسلام, واخرى اشتراكية تجد في الرسول (صلى الله عليه وسلم) امام الاشتراكيين, لولا دعاوى القوم والغلواء كما قال المرحوم (شوقي بك) وثالثة قومية لا ترى تناقضا بين القومية العربية, والقومية الاسلامية والاولى جزء من الثانية وليست الثانية بديلا عن الاولى. وكما عدل, او عدل الاسلاميون في امميتهم فقد عدل الماركسيون العرب في انترناشيوليتهم فاضافوا الوحدة العربية الى شعاراتهم ودعوا الى تأسيس تيار ديني مستنير يستلهم التراث العقلاني للاسلام. وكان ذلك ما فعله الليبراليون الذين كانوا قد التزموا موقف الدفاع, طوال فترة المد الراديكالي الذي شهدته المنطقة خلال سنوات الحرب الباردة, فلم يكن امامهم الا الاقرار بحق الدولة في ان تتدخل لفرض شكل من اشكال العدالة الاجتماعية تحد من شرور الملكية الخاصة.. وبانهيار عصر الايديولوجية طمرت الخريطة الفكرية العربية بين انقاضه وتوقف الاتصال والتفاعل واختل التوازن داخل كل تيار من تياراتها الاربعة الرئيسية وبين كل منها وبين التيارات الثلاثة الاخرى, على كل الاصعدة, الفكرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية. توقف القوميون حائرين امام الانبعاث القوي للصراع العرقي والديني بين انقاض المنظومة الاشتراكية وامام زحف المصالح والمشاعر القطرية, لتتغلب على المشاعر والمصالح القومية, من المحيط الى الخليج.. واختلف الماركسيون في تشخيص اسباب الانهيار, فقال بعضهم انه مجرد خطأ في التطبيق وان الذي انهار هو الماركسية السوفييتية وحدها, بينما تشكك اخرون منهم في صلاحية بعض افكار النظرية للاستمرار, وعجز الاثنان عن اكتشاف في البديل. ووجد الاسلاميون في هزيمة الماركسية وتراجع القومية ذريعة للتنصل من محاولة عصرنة وتحديث افكارهم كما وجدوا فيها مشجعا على ان يرفعوا السلاح في وجه بعض النظم التي دعمت دورهم في اضعاف القوميين والماركسيين. وحار الليبراليون في الاختيار بين نظم سياسية ابوية تحكمهم وبين الخطر الثيوقراطي الذي يتقدم رافعا السلاح! وهذه السلطة الايديولوجية هي النتيجة الطبيعية لمرحلة الانتقال من عصر كان الى عصر لم يتحدد بعد, وهي الثمرة المتوقعة لافتقادنا لشجاعة النقد الذاتي.. وهي السبب في الدوخة القومية التي جعلتني اكتب هذا المقال, ومنظاري في اصابع قدمي, ورأسي في جورب الحذاء, وهي الطريقة الوحيدة التي تستطيع قراءته بها.