للشقيري شرف تأسيس (منظمة التحرير الفلسطينية) والافلات بها من بين براثن النظام العربي, فضلا عن شرف ارساء عمد المنظمة, المتمثلة في جيش التحرير, ومركز الابحاث والصندوق القومي. الى جانب (الميثاق القومي) و(النظام الاساسي) , و(المجلس الوطني) و(اللجنة التنفيذية) . اما عرفات فلم يزد على ما ارساه الشقيري, ان لم يكن انتقص من انجازات هذا الرجل. لقد ألم الشقيري بسيرة الحركة الصهيونية وهو المثقف الموسوعي, فعمد الى مواجهتها بأدوات على غرار أدواتها. لقد كان وطنيا جذريا, اعلى قيمة الفكر, والاعلام والبندقية وان شاب اداءه توجس غير مبرر من الاحزاب الفلسطينية, ربما لأنه لم يجرب العمل الحزبي او لأنه خشي من ان تعمد تلك الاحزاب إلى الاطاحة به. ثم حين واتته الفرصة لإقامة (التنظيم الشعبي) الفلسطيني اقدم على ما اجهض هذا التنظيم, اذ ما ان حقق معارضوه مواقع مؤثرة في هذا التنظيم عبر الانتخابات الحرة التي جرت له حتى سارع الشقيري الى اصدار فرمان اتبع فيه التنظيم في كل قطر لمدير مكتب المنظمة في القطر نفسه. اذا كان الشقيري يعادي الحزبية, فإنه زاد من هذا العداء لليسار على وجه الخصوص لقد كان الرجل مضطرا لقبول اعضاء المجلس الوطني من بين من تقدمه الانظمة العربية وفي اغلبيتهم مندوبون لاجهزة امن القطر الذي وفدوا منه, على ما شهد بذلك برهان الدجاني, احد المخضرمين في المجلس الوطني, لكن ماذا عن خليفة الشقيري (عرفات), الذي رفض اجراء انتخابات لاعضاء المجلس الوطني, مفضلا عليها قيامه بتسمية هؤلاء الاعضاء بنفسه, بعد ان يترك للفصائل ان تسمي مندوبيها الى المجلس, تاركا لها ما نسبته عشر مجموع اعضاء المجلس. الانتقال بوصول عرفات الى رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في فبراير 1969, بعد فترة خاطفة قضاها يحيى حمودة رئيسا بالوكالة للجنة نفسها, اخذت الحدود بين (المنظمة) و(فتح) تمحي في اطراد الامر الذي لخصه فاروق القدومي (ابو اللطف) حين قال عن (المنظمة) : (سنبقرها من الداخل) ! فقد عمدت قيادة (فتح) التي استأثرت بالمنظمة الى تفريغها من كوادرها المستقلة, ومن بين اعضاء الفصائل الاخرى, لتحل محلهم كوادر (فتح) وقابلت بقية الفصائل هذا (الاحتلال) بالصمت المريب واقول المريب لأن كل فصيل حاول اخذ فتات لكوادره من هذا الارث!. مع العدو مد المتنفذون المرونة الى المجال الاستراتيجي فغدت تفريطا ـ واعتمدوا التنازلات المطردة. حيث بدأوا باللقاء مع اليسار في اسرائيل (راكح) صيف 1977, قبل ان يتذرعوا بأن (راكح) لا يقدم ولا يؤخر في الحياة السياسية الاسرائيلية ولكن بعد ان استفاد السادات من لقاء المتنفذين براكح, في تبرير مبادرة الرئيس المصري سيئة الصيت, بالسفر الى اسرائيل خريف العام نفسه. القسط الثاني من التنازلات في هذا الصدد, قدمه المتنفذون,. حين قرروا احلال ادري افنيري ونتانياهو بيليد محل (راكح) باعتبار الاولين (صهيونيين يتعاطفان مع حقوقنا الوطنية) وسرعان ما صك المتنفذون ومصطلحي (الصهيونية الطيبة) و(الصهيونية الخبيثة) . واعتمدوا التعامل (مع المؤثرين في السياسة الاسرائيلية) ؟ اي حكام اسرائيل انفسهم ولماذا اللف والدوران؟! سرعان ما انفرطت المسبحة في شكل تنازلات مجانية متتالية ثمنا لهذا اللقاء المرتقب. هكذا بعد ان دأب المتنفذون على تخوين القبول بتقسيم فلسطين قبلوا بما هو دون (كمب ديفيد) مكتفين باعتراف العدو المغتصب بمنظمة التحرير, بديلا عن اعترافه بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. مع المشاريع الامريكية ما ان افلت المتنفذون من حصار بيروت (صيف 1982) حتى سارعوا الى الالتحام بشريحة المليونيرية الفلسطينية بعد ان توجس المتنفذون خيفة منهم, اذ حاول هؤلاء وراثة قيادة منظمة التحرير حين كان المتنفذون محاصرين في بيروت. وفي السياق نفسه أغذ المتنفذون خطاهم في اتجاه المشاريع الامريكية لتصفية القضية الفلسطينية واجهاض الصراع العربي الاسرائيلي. مع الوطن المحتل في الوقت الذي تعامل فيه المتنفذون مع العدو الصهيوني على هذا النحو فإنهم لم يهملوا الوطن المحتل وشعبنا هناك. بل استمرأوا ضخ الفساد الى هناك عبر الدعم المالي الى غير مستحقيه بل بهدف الافساد وشراء الولاءات والاستزلام, ولتعزيز العشائرية والقوى التقليدية. كما حال المتنفذون دون قيام جبهة وطنية في الضفة والقطاع, اذ اشترطوا لقيامها ضم بعض المهاودين للاحتلال (بأسمائهم) الى قيادة الجبهة عند تشكيلها ربما ليبقي المتنفذون الداخل اعجز من ان يفرز قيادة بديلة عنهم. وهذا ما يفسر اصرار المتنفذين على ارسال دعم منظمة التحرير المالي الى المجالس البلدية والفردية في الضفة والقطاع عبر بعض المهاودين للاحتلال. اما فلسطينيو 1948 فتنازلت عنهم القيادة المتنفذة في منظمة التحرير بلا مقابل اذ اطلق هؤلاء المتنفذون عليهم اسم (عرب اسرائيل) وتجاهلوهم في مقررات دورات المجلس الوطني المتعاقبة, التالية للخروج من بيروت كما اسقطتهم البرامج السياسية التي اعتمدها اولئك المتنفذون. في النقابات لم تسلم الحركة النقابية العمالية في الضفة والقطاع من تدخل متنفذي المنظمة, فما ان تعافت هذه الحركة حتى عمد المتنفذون الى شقها وبعثرتها لابقائها في حاجة ماسة لرعاية قيادة الخارج لها, عاجزة عن رفد الحركة الوطنية في الداخل مما يعزز عوامل منع ظهور قيادة بديلة هناك. في القتال اما الشأن العسكري فغرق في الاستعراض ورفعت القيادة المتنفذة شعار (حرب الشعب) في الوقت الذي اعتمدت فيه هذه القيادة اعمال الكوماندوز وغرق العمل الفدائي في البيروقراطية, ومظاهر الاستهلاك. لذا سرعان ما تحول الفدائيون الى (التجييش) واستطالت فوهة البندقية, فكانت زخات الكاتيوشا وقذائف المدفعية لتعوض عزوف الفدائي عن الدخول الى فلسطين. مما كرس الوضع الدفاعي للمقاومة تمهيدا للتسوية. في السياق نفسه, امد المتنفذون الداخل بالقليل من السلاح خشية انتقال زمام الموقف الى الداخل على ان المعارضة لم تعمل في الاتجاه المخالف. مع مرور الوقت ترهلت القيادات العسكرية واشتد ميلها لحياة الرفاه والدعة. في الشأن الثقافي (فكرنا ينبع من فوهة البندقية!) بهذا اراد عرفات استنطاق الحديد, وشل فكرة الانسان فضلا عن توهم عرفات بأن الفكر انما يفرض بقوة السلاح. في السياق نفسه قلل المتنفذون من قيمة الفكر واعتمدوا العفوية, والتخبط وحتى مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير لم يهدأ بال المتنفذين قبل ان يحولوا نشاطه الى مجرد تبرير لتصوراتهم وتوجهاتهم فيما ناصبوا مدير مركز الابحاث التابع لمنظمة التحرير (د. أنيس صايغ) العداء, حتى ارغموه على ترك موقعه, لمن قزم المركز, وانشطته. لذا كان طبيعيا ان يتعرض المثقفون الاحرار لصنوف شتى من مضايقات المتنفذين, في محاولة لتركيع اولئك المثقفين وكانت النتيجة ان بعضهم لاذ بالصمت وبعضهم الآخر افلت بجلده, فهاجر, وبعضهم الثالث قتل, فيما اختار بعض رابع الالتحاق ببلاط السلطان, للعمل في التبرير لأقوال السلطان وافعاله مع ذلك حافظ الجسم الثقافي على صموده وان بفعالية اقل. في التنظيم اما التنظيم فعكس كل ما سبق من تشوهات اذ اكتفى بتحويل التنظيم الى مجرد حاوية لكل الافراد الذين ينتمون الى هذا التنظيم, مما افسح المجال للاجهزة الادارية ان تحل محل التنظيم. وان نجح اليسار في بناء تنظيماته المحكمة, وتوفير حياة داخلية افتقرت للديمقراطية وان انزلق اليسار الى تقليد المتنفذين في التوسع بتفريغ الكوادر, دون ان يلاحظ اليسار ان تفريغ الكادر يفضي الى عزله عن مجاله الجماهيري ويحوله الى ما يشبه الموظف البيروقراطي, الذي ينتظر العلاوة, والترقية والمكافأة! في الوقت الذي سقطت فيه التنظيمات الوطنية والقومية عند تجنيد الاعضاء في صيغة (كيفما اتفق) فإن التنظيمات اليسارية اهتمت بالانتقاء الفردي في هذا الصدد. الى ذلك تواضع كثيرا اسهام الكادر الوسيط في صنع القرار الحزبي كما انفتح باب الترقي في التنظيم امام الوشاة, والمتزلفين واحيانا امام من تأكدت عمالتهم لأجهزة الامن المختلفة. اغلب الظن ان المتنفذين خشوا من ان يفضي التنظيم المحكم الفاعل الى الاطاحة بأولئك المتنفذين وتقديم بديل لهم. الشأن النقابي عمد المتنفذون الى تكبيل سائر الاتحادات الشعبية, واخضاعها لطموحاتهم الذاتية, وحين استعصى (الاتحاد العام للكتاب والصحفيين) على المتنفذين, عمد الاخيرون الى تزوير ارادة اعضاء مؤتمر هذا الاتحاد ليوصل المتنفذون الى قيادة هذا الاتحاد اتباعهم. لذا تحولت تلك الاتحادات الى ابواق للمتنفذين وغصت قيادات هذه الاتحادات بالموالين للمتنفذين, على حساب الكفاءة. اما المعارضون فلهثوا في اثر المتنفذين لنيل الرضى ومقعد في هذا الاتحاد او ذاك. أمنيا تشوهت اجهزة امن الفصائل باساءة استخدام المال, الذي استخدم في حفز افراد هذه الاجهزة حيث الاستعمار والصهيونية اقدر في هذا الميدان بما يحول عنصر الامن الى سلعة لمن يدفع اكثر. في غياب الحافزين, الوطني والفكري. مع انحسار النشاط العسكري للمقاومة, بعد الخروج من الاردن (صيف 1971), تمددت اجهزة الامن واستدارت من الاهتمام بالعدو الصهيوني الى المعارضة داخل المقاومة وفغرت سجون المقاومة افواهها لاستقبال هؤلاء المعارضين وسرعان ما حل (الامن) محل (التنظيم) في الاستحواذ على اهتمام المتنفذين فالأمن مطواع, سريع التنفيذ بعكس (التنظيم) ما فتح الباب على مصراعيه للمتسلقين, الامر الذي تفشى وبائيا مع استلهام الجوار العربي وهشاشة البنية الاقتصادية الاجتماعية الفلسطينية اذا كان المتنفذون قد اقترفوا هذا كله, فماذا فعلت المعارضة؟ لقد استمرأت المعارضة التنديد بأداء المتنفذين دون نجاح في تقديم البديل, بل تذيلت للمتنفذين, وحين وصلت, رغم جلوس المعارضة في الكراسي المواجهة للمتنفذين مع الاعتذار للوحة الشهيد ناجي العلي الشهيرة.