في عام 1916 عرف الأمريكيون زجاجة (الكوكاكولا) بشكلها المميز.. عرفوها مسحوبة العنق.. ضيقة الخصر.. واسعة البطن.. وبهذا الشكل المستوحى من تضاريس جسد راقصة شرقية غزت مدينة (أتلانتا) عاصمة ولاية جورجيا ومدينة اليانصيب، والسي إن إن والألعاب الأوليمبية - العالم بعد 16 سنة من اختراع (جون بجرتون) لهذا المشروب الذي يعتبره الغرب - هو وهامبرجر ماكدونالدز - رمزا لحضارته التي يفرضها على العالم من بكين الى طنجة ومن نيو مكسيكو الى كيب تاون. لكن.. بعد أكثر من 100 سنة شرب فيها الناس هذا النوع الشهير من المياه الغازية انتشرت في مصر والدول العربية خرافة لم تفت شخصا واحدا.. ورددها العالم والجاهل.. إنك لو وضعت كلمة (الكوكاكولا) أمام المرآه فإنك ستقرأها: (لا لمحمد لا لمكة) ولم يفكر أحد في استحالة ذلك لعدم وجود حرف الميم المطلوب في كلمتي محمد ومكة.. كما أن عدد الحروف مختلف.. على أن العقول التي لاتعرف التفكير أمام الخرافة راحت تصف ما تصورته على أنه سخرية من الاسلام.. وحربا غازية يشنها الغرب على الدين الحنيف.. دون أن تدرك أنها هي التي تسخر من نفسها.. وتحط من شأن ما تؤمن به. إنها مشاعر الاضطهاد التي سيطرت على المسلمين فراحوا يبحثون عنها في زجاجة صودا.. أو حذاء كاوتش.. أو ورقة شجر جافة.. أو حجر مكسور.. أو بيضة دجاجة.. أو صورة فراشة لو قمت بثنيها بطريقة ما ستجد منظرا جنسيا مثيرا.. ولو قمت بثنيها بطريقة أخرى ستجد إهانة دينية فظيعة كما أشاعت صحيفة من الصحف إياها. لقد طبقت الثقافة الشعبية التي تستمد وقودها من الشائعة والخرافة ما يتردد منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عن ما يوصف في الغرب بخطر الاسلام البديل بطريقتها الخاصة.. فنمت عقدة الاضطهاد في النفوس.. وضاعف ذلك من الفشل الذي يواجهه المسلمون في حياتهم.. مذابح.. وهزائم.. وفساد.. واعتقال.. وفقر.. وقهر.. وتخلف.. وكبت للحريات.. وضياع للحقوق الأساسية. إن هذا الفشل الذي لم يقدر المسلمون على تجاوزه على أرض الواقع جعلهم يفتشون في هلاوسهم وعقولهم الباطنة عن أسبابه.. ومبررات احتماله.. وهكذا.. كانت الخرافة جاهزة لتلعب دورها.. وتنقذهم مماهم فيه.. لكنهم كانوا مثل الذي يستجير من الرمضاء بالنار.. فزادت الكارثة.. وأضيف لأسبابها الموضوعية.. السياسية أسباب أخرى نفسية. لو تكررت السيول في الصعيد والبحر الأحمر - وهي ظاهرة يعرفها المصريون منذ آلاف السنين - كان التفسير جاهزا.. إنه غضب من الله.. ولو تعرضنا لزلزال.. فلا تفسير له سوى إنه إنذار من السماء.. وهو نفس ما شعر به المصريون عندما واجهوا قنابل ومدافع نابليون بونابرت ولم تقدر عقولهم على استيعابه.. فكشفوا رؤوسهم وتوجهوا الى السماء مرددين: ياخفي الألطاف نجنا مما نخاف. إن الطبيعة تعبر عن نفسها بالسيول والزلازل كيفما تشاء.. وستظل تفعل ذلك حتى لو تفرغنا جميعا للصلاة والصوم والتهجد.. فالبلاء اختبار المؤمنين.. والله يمد في عمر الظالمين حتى يأخذهم وهم في قمة القسوة والغطرسة ليصبحوا عبرة لمن يعتبر. وقد شاعت على صفحة إنترنت تسمى "Islam way discussion board" حكاية لا نعرف حقيقتها.. ولا نعرف رأسها من قدميها.. ولكنها وجدت من يتداولها.. ويوزعها عبر البريد الالكتروني.. أو عبر البريد الجوي.. الحكاية تقول: ان سبب الزلزال المدمر الذي قلب أحشاء الأرض في تركيا في أغسطس 1999 لم يكن اضطرابا في طبقات القشرة الأرضية.. وإنما بسبب حفلة ماجنة بمناسبة تقاعد بعض الجنرالات الأتراك.. حضرها 30 جنرالا تركيا و 30 جنرالا أمريكيا و 30 جنرالا اسرائيليا.. وغرق الجنرالات جميعا في الخمر والنساء والرقص الماجن الذي أدته (راقصات يهوديات مجلوبات من اسرائيل اللقيطة ومن تركيا العلمانية) وأثناء ذلك (طلب جنرال تركي علماني من نقيب صغير إحضار القرآن الكريم وأمره بأن يقرأ منه وأن يفسر ما قرأ فاعتذر النقيب لجهله بالتفسير فإذا بالجنرال التركي يوجه اهانات بالغة للقرآن وللذات العلية. وأحس الضابط الصغير بالرعب والخوف فغادر القاعدة العسكرية مسرعا ولم تمر سوى عدة دقائق حتى وقع الزلزال المدمر والذي بدأ بضوء شديد لونه زهري غطى المنطقة كلها.. ثم شق الله البحر.. وتصاعدت منه نيران ملتهبة يرافقها انفجار شديد.. ثم امتد الزلزال الى مناطق أخرى ولم تقدر فرق الانقاذ على انتشال جثة جنرال واحد من الذين كانوا في الحفل الماجن.. لقد صهروا هم وباقي الجنود والحرس في القاعدة وعددهم 3 آلاف شخص.. وقد حمل هذه المعلومات الى الأردن شخص لم يذكر اسمه خوفا من البطش به.. لكن الذي نشرها على هذا النحو الشيخ (عبدالمنعم أبوزنط) وهو على ما يبدو من المشايخ المعروفين في عمان. ولا أقدر على نفي هذه الحكاية التي تبدو مثل الأساطير.. لكن.. لا أحد يستطيع أن يؤكدها.. فمصدرها مجهول.. ومروجها لم يكن في موقعها.. ثم والأهم.. لماذا يعاقب الله 3 آلاف جندي وحارس في القاعدة بالموت منصهرين لذنب لم يرتكبوه.. لماذا أخذهم بذنب 0_ جنرالا تركيا وأمريكيا واسرائيليا.. ثم لماذا يتسع عقاب الله ليشمل مناطق أخرى في تركيا بريئة مما حدث ويسكنها مسلمون يؤدون ما عليهم من فروض ويسجدون لله خمس مرات يوميا على الأقل ويشكرونه على ما أعطاهم وما حرمهم منه؟. إن القهر الذي يتعرض له الناس في الدول الاسلامية جعلهم إما يشعرون بالاضطهاد فيرون الهلاوس البصرية التي تشيىء الدين في كل شئ حولهم.. وإما يحققون انتقام السماء في حكاياتهم وأساطيرهم ويستخدمون تكنولوجيا العصر في ترويجها.. ويستغلون حالة الجهل والإحباط والخرافة في قبول الناس بها.. فما دمنا عاجزين عن الخروج مما نحن فيه فعلينا انتظار غضب السماء وعقابها.. نحن لانملك إلا الانتظار.. ولو لم يحدث هذا العقاب فعلينا أن نتصوره ونتخيله ونروج له. ولذلك كان من السهل أن يخرج 15 ألف طالب في جامعة الأزهر في مظاهرة عنيفة بسبب سطور في رواية لم يقرأها أحد منهم.. وكان من السهل أن يتضامن الناس معهم.. ويشاركوهم الغضب والانفعال.. فالأرضية ممهدة.. والأسمدة مخلوطة بالتربة.. والحطب الجاف لا يحتاج سوى شرارة.. والشرارة هي خبز الذين احترفوا استغلال مشاعر الناس الدينية ليحققوا مكاسب دنيوية.. وهؤلاء - للحقيقة والانصاف - ليسوا في صحيفة (الشعب) فقط وإنما في صحف أخرى.. وقد قال صلاح منتصر في عموده في (الأهرام) يوم الأحد 14 مايو الجاري أن تفجير رواية (وليمة لأعشاب البحر) بدأت في صحيفة (الأسبوع) ثم انتقلت الى صحيفة حزب العمل.. ووجدت صداها في صحف قومية أخرى استغلتها لتصفية حسابات لا تنتهي مع وزير الثقافة.. أو عكست وجهة نظر بعض من في الحكومة يرى أن الوزير أقوى مما يجب ويجب تقليص قوته وهو منطق يصلح في الساحات الرياضية الشعبية ولا يصلح في العلاقات الحكومية الرسمية.. إذن فالكل شركاء فيما جرى لأسباب وأهداف مختلفة. والرواية عمرها 17 سنة.. وهي متداولة في كافة الأسواق العربية بترحيب وتقدير.. وهي تدور في منطقة (الأهواز) العراقية في فترة حكم فاشية.. ديكتاتورية.. أما الجزء الأزمة فهو يصور شخصا ملحدا ينكر الوجود الإلهي.. ويحاوره شخص آخر يفند ما يقول.. إنه نفس المنطق الذي بنيت عليه كل أفلامنا الدينية التي تصور الكفار وموقفهم من النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي أفلام ضاعفت من مشاعر الايمان ولم تهدده.. ولو أخذنا بمنطق المنع والحرق الذي علت الأصوات تطالب به لحرقنا كل هذه الأفلام.. ولحرقنا معها كل الأفكار.. وكل الكتب. والمثير للدهشة أن منابر المساجد وأئمتها - وهم أيضا لم يلمسوا الرواية - دخلوا في الزفة واستغلوا ثقة الناس فيما يقولون.. وسكبوا مزيدا من البنزين على النار.. ونقلوا القضية من خانة المشكلة الى خانة الكارثة. إذن القضية ليست قضية رواية.. ولا قضية حرية رأي.. إذ كيف تكون قضية رأي ولا أحد قرأ.. ولا أحد فهم.. ولا رأي يقوم على جهل.. لا رأي يقوم على التفويض بالقراء.. كفانا ثقافة سمعية نعتمد فيها على الشائعات والأقاويل والنميمة في النوادي والتليفونات.. إن هذا النوع من الثقافة الدارجة المدمرة امتد من العامة الى الخاصة.. ومن المتسكعين الى المثقفين.. مع كل الاحترام والتقدير لكلمة المثقفين.. القضية قضية فراغ عقلي في مناقشة القضايا الجادة في هذا الوطن.. وهو فراغ غمرته التصورات الخاطئة الجافة التي كان من السهل إشعال النار فيها بعود كبريت واحد. إننا لم نجد مناقشة جادة وساخنة لقضية السيولة.. والركود.. والفساد.. ودور مصر بعد السلام.. ولم تجد مناقشة جادة وحيوية لقضايا الدروس الخصوصية.. والقرارات العشوائية.. وتعثر التصدير.. وتراكم البطالة.. انكماش الطبقة الوسطى.. وتراجع دورها الهام في المجتمع.. ولم نجد مناقشة جادة وجريئة لقضايا الانحراف الاجتماعي والتي تعكسها صفحات الحوادث في الصحف اليومية.. رجل يشوي رأس زوجته على البوتاجاز.. امرأة تستغفل زوجها لمدة عامين وتمارس الفحشاء مع عشيقها الذي ظل يتردد عليها لمدة عامين وهو يتنكر في ثياب امرأة منقبة.. موظف كبير بدرجة وكيل وزارة ينتحر لفشله في أن يحضر لابنته فستان الخطوبة. هذه هي القضايا التي تستحق منا الانفعال والغضب والصراخ على صفحات الجرائد.. لكن.. كيف يمكن أن نناقش مثل هذه القضايا وكل مؤسسات المجتمع المدني مشغولة بنفسها وبمتاعبها الداخلية.. الأحزاب.. النقابات.. الجامعات.. والجمعيات الأهلية.. إن كل مؤسسة من هذه المؤسسات متفرغة لمعارك وجودها وبقائها.. كيف تبقى؟.. كيف تجري انتخاباتها؟.. لا وقت لديها للمجتمع ولقضاياه.. ففاقد الشئ لا يعطيه.. ومن ثم كان الفراغ والخواء.. وكان هناك من هو مستعد لاستغلاله والعبث به.. بكلمة كوكاكولا تقرأ خطأ في المرآة.. وبصورة فراشة توحي مرة بالخطيئة وتوحي مرة أخرى بالفضيلة.. بتفسير لا أساس علميا له للزلازل والأعاصير والسيول والسحب السوداء الثقيلة. إن العضو الذي لايعمل ينقرض ويصيبه الضمور والزوال.. الشفاة تضمر لأنها لاتهتز.. الأصابع تنقرض لأنها لاتتحرك.. العقول تختفي وتزول لأنها لاتفكر.. ومادام الكلام ممنوعا من الكلام.. والفكرة لاتجد قناة تصب فيها.. فإننا سائرون الى الهاوية.. والهاوية دائما تبدأ بمساحة شاسعة من الجفاف يسمونه في علم السياسة وفي علم الجغرافيا بالفراغ . هذا الفراغ - الذي استغلته ونفخت فيه التيارات الغوغائية الدينية وغير الدينية - نحن مسئولون عنه.. ونحن ندفع ثمنه.. ونحمد الله أن الثمن لم يكن هذه المرة باهظا.. ولم تحترق القاهرة كما جاء في عنوان مقال ابراهيم سعدة في (أخبار اليوم.. السبت 13 مايو الجاري.. ونحمد الله أن ما جرى نبهنا لما هو قابع تحت السطح في انتظار شرارة جديدة.. ونبهنا لضرورة تنشيط مؤسسات المجتمع المدني من جديد لتلعب دورها الغائب.. لقد نجحت التيارات الغوغائية في السيطرة على عقول الناس ولم يكن ذلك أمرا صعبا.. فعندما تكون هذه العقول بيضاء.. يسهل الشخبطة عليها بأي بقعة حبر . وفي الأزمة كان الاعلام عاجزا مشلولا كما كان في حادث الطائرة المصرية التي سقطت وتلاشت في نيويورك.. وكما في حادثة السحابة السوداء الكثيفة التي غطت سماء القاهرة.. إن المحطات الفضائية العربية والأجنبية سارعت بمناقشة ما جرى.. لكن بقيت محطاتنا التليفزيونية الرسمية والمحلية والفضائية والمتخصصة في انتظار التعليمات.. وأغلب الظن أنها لاتزال تنتظر.. أو أن قياداتها كانت مشغولة بتناول (الفتة) في ذكرى عزيزة عليهم.. وهذه حقيقة وليست سخرية.. بل أن التليفزيون الرسمي لم يذع البيان السياسي الذي أدلى به وزير الثقافة فاروق حسني كاملا.. وحذف منه الفقرات السياسية التي تعطي بعدا أوسع لما جرى.. إن إعلامنا لا يزال يتصرف على أنه الوحيد الذي نراه ونسمعه.. أو أنه الوحيد الذي يجب أن ننتظره ونتلهف عليه.. وهي ثقة نحسده عليها.. لكن.. لانملك إلا الدعاء له بالهداية والبصيرة والإيمان بقوانين العصر التي لايكف عن التحدث عنها. إن الارهاب ليس له وجه واحد.. فعنده مجموعة كاملة من الأقنعة والأثواب التنكرية.. فهو مرة يطلق الرصاص.. ومرة يحرض على حرق الأفكار.. مرة يظهر في هيئة مفتي ويطالب بالقتل والاغتيال.. ومرة يتجلى في صورة كاتب يحول القلم الى بلطة.. وزجاجة الحبر إلى زجاجة مولوتوف.. مرة يكلمنا بصوت الغيور على الدين.. ومرة يخرج صوته خشنا قاسيا قاتلا على طريقة أدولف هتلر. لقد انتهى الارهاب بالرصاص وقفز الارهاب بالمنشتات والميكرفونات والكاسيتات.. إن العدو لم يعد مستوردا من الخارج.. العدو أصبح في الداخل.. بيننا.. منا.. تركنا له حرية التصرف في مقدرات هذا الوطن وسحبناها من الذين كادوا يدفعون حياتهم لإيمانهم بهذا الوطن ولعشقهم له.. إنها ليست مشكلة جديدة ولا كبيرة.. تعرض الوطن لأكبر منها وأشد.. لكن الذين عليهم المواجهة الآن غير متفرغين لها.. تشغلهم أنفسهم ومكاسبهم ومعاركهم الوهمية الدونكشتية.. على أن الوقت لم يفت للتوقف والفحص ومعرفة العدو من الصديق.. طاقم السفينة من فئرانها.. لم يفت الوقت لأخذ مسألة الاصلاح السياسي مأخذ الجد لسد الفراغ وترطيب الحطب الجاف منعا للنار والاحتراق.