بقلم: أحمد عمرابي لم يكد الفصل الأخير في حرب (التحالف الدولي) بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق في اوائل عام 1991 ينتهي حتى نشرت صحيفة بريطانية تقريرا اخباريا مثيرا يفيد بأن عشرات من الجنود العراقيين في الصحراء الكويتية دفنت أحياء بواسطة جرافات ضخمة على أيدي قوات امريكية, حينئذ كذبت بعض أجهزة السلطة الامريكية الخبر بينما التزم بعضها السكوت. ما أشبه الليلة بالبارحة. فقبل ايام قلائل نشرت مجلة امريكية تقريرا اخباريا مماثلا تقول فيه ان قوات امريكية تحت قيادة الجنرال باري ماكا فرى قتلت قرب نهاية الحرب عراقيين مجردين من السلاح وبعضهم جرحى.. كما أطلق الامريكيون النار غداة وقف اطلاق النار في 28 فبراير 1991 على عراقيين مدنيين وقتلتهم. والسؤال المطروح, هل مثل هذه الاحداث الاجرامية وقائع شاذة ومعزولة عن النهج السلوكي العام للمؤسسة العسكرية الامريكية وتقاليدها؟ ان السجل التاريخي للمؤسسة العسكرية الامريكية لما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية يفيد بالعكس. وليس من قبيل الصدفة المحضة أن الصحفي الامريكي سيمور هيرش المتخصص في الصحافة الاستقصائية الذي أعد التقرير الاخباري المنشور في مجلة (ذى نيويوركر) بشأن فضيحة قتل العراقيين العزل والمدنيين المشار اليها هو الصحفي نفسه الذي سبق أن كشف فضيحة عسكرية امريكية مماثلة ـ لكن بحجم اكبر ـ عن مذبحة شنيعة للمدنيين في فيتنام على أيدي قوات امريكية. مذبحة (ماي لاي) الفيتنامية وقعت عام 1968 والحرب الفيتنامية في ذروتها. و(ماي لاي) هو اسم القرية التي كان اهلها ضحية المذبحة.. بدأت القصة عندما تلقت القيادة العسكرية الامريكية في سايغون (الان تسمى مدينة هوش منه) عاصمة فيتنام الجنوبية معلومات استخباراتية بأن بعضا من مقاتلي (جبهة التحرير الفيتنامية) يلجأون الى قرية ماي لاي عقب تنفيذهم عملية هجومية.. فاتخذت القيادة الامريكية قراراً بشن هجوم على القرية. القوة الامريكية الصغيرة المكونة من 30 جنديا بقيادة الملازم وليام كالي لم تجد مقاتلا فيتناميا واحدا عندما اقتحمت القرية ذات صباح. وبازاء هذا الوضع لم يشأ الملازم ان تعود قوته دون (إنجاز) فأمر جنوده بقتل القرويين المدنيين العزل. ضحايا مذبحة (ماي لاي) نحو خمسمئة.. كلهم دون استثناء نساء او أطفال او عجائز. كان جندي امريكي يلقي بقنابل يدوية داخل المنازل وعندما يندفع القرويون الأحياء خارج المنازل يصب عليهم بقية الجنود المرابطين الحميم من المدافع الرشاشة. لقد كانت المذبحة في حد ذاتها عملا بشعا. لكن ما تلاها على الصعيد الامريكي كان أبشع. اولا: تكتمت القيادة الامريكية العليا في سايغون على التقارير التي وصلت اليها بشأن المذبحة. ومع التكتم لم تتخذ اي اجراء.. ولا حتى استقصاء أولي. ثانيا: بعد ان كشف الصحفي سيمور هيرش الفضيحة باعداد تقرير اخباري اعتماداً على شهود عيان اضطرت المؤسسة العسكرية في واشنطن الى الاقرار بما حدث. ولكن من بين افراد القوة العسكرية الذين شاركوا في ارتكاب المذبحة لم يقدم الى المحكمة العسكرية الا قائدهم.. الملازم كالي. ثالثا: رغم ان المحكمة العسكرية قضت بسجن الملازم مدى الحياة الا أنه وقع عقب ذلك أمران: أولا, أخرج من السجن بعد ثلاثة ايام فقط ليكون في الحبس المنزلي. وثانيا, وبعد ثلاث سنوات, صدر عفو عنه من البيت الأبيض. وبعد.. فإن المغزى النهائي لقتل الفيتناميين والعراقيين يلخصه رتشارد فولك وهو خبير امريكي في القانون العسكري. يقول فولك تعقيبا على مذبحة ماي لاي: (سيكون من قبيل التضليل عزل المذبحة الشنيعة في ماي لاي عن التسيير الامريكي العام للحرب والخط العام للسياسة الرسمية التي خلقت مناخا لا أخلاقياً يتم فيه تجاهل قيمة الحياة للمدنيين الفيتناميين بصورة تامة) .