لا يخلو أي حديث سياسي في أي تجمع دولي اليوم, مهما كانت توجهاته عن الحوار حول (العولمة) , حتى الذين لا يعرفون آثار تلك العولمة الإيجابية أو السلبية يدلون بآرائهم عن قناعة يحسدون عليها, الغالب على تلك الأحاديث رأي من اثنين, إما مؤيد لتلك العولمة بلا حدود باعتبارها المنقذة للعالم من النظريات الأيديولوجية القديمة التي ثبت فشلها في الشرق (الاتحاد السوفييتي), أو معارض لها بلا حدود باعتبارها (بنت) الهيمنة الأمريكية وربيبتها. آثارها السلبية باعتبارها أمرا واقعا لا محالة, دون أن يفكر أي من تلك الأطراف التي ذكرناها التوقف أمام تجارب تحدث بالفعل, وتقف على قدميها لتقدم نموذجا على محاولة إيجاد توازن ما بين الأفكار الثابتة المنطلقة من نظريات (قديمة) , مع التعامل مع ما يمكن أن يكون إيجابيا من تلك العولمة (المخيفة) . هذا البديل عن تلك العولمة بمحتواها الغربي موجود على أرض الواقع, ولكن بما أن هذا النموذج يأتي من منطقة لا تبدو في المركز من صناعة القرار العالمي, التي يستحوذ الغرب (الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجموعة الاتحاد الأوروبي) على مركزها باعتبار أن العولمة من صنعهم, ولا يمكن التعامل معها إلا من خلالهم أو باذن منهم, فإن هذا النموذج لا يظهر أمامنا إلا بعد جهد للتعرف عليه. أو لأن الذين يمارسون تلك التجربة يحاولون الابتعاد عن الأضواء بقرار ذاتي حتى يمكنهم تحقيق أهدافهم بلا ضجة, أو كما يحاول أن يفسر البعض بأنه نتيجة المنطق الحضاري لهؤلاء الذين أقاموا تلك التجربة, لأنهم يمارسون التجربة في هدوء وبعيدا عن الأضواء باعتبار أن هذا الهدوء من فضائل أولئك القوم, الذين بنوا في الماضي حضارة كبرى وكانوا مركز العالم في زمن مضى, إلا أنهم واجهوا الاضمحلال بهدوء وواصلوا العمل الدؤوب حتى تمكنوا من العودة من جديد, إنها فضيلة (أهل الصين) , لذلك على من يبحث عن بديل العولمة أن يطلبه من خلف أسوارها. قبل عشرين عاما بدأت في الصين (ثورة تغييرية) لم يلتفت إليها أحد, حتى قبل أن يتحدث العالم عن العولمة باعتبارها منقذ الشعوب المتخلفة, وربما كان ذلك لان الصين شهدت العديد من الثورات منذ بدايات القرن العشرين, مما أدى إلى افتقاد كلمة ثورة لأي اعتبار, ومن منا لا يذكر بالحزن والحسرة ما نتج عن (الثورة الثقافية) , التي كانت تدميرا اكثر منها ثورة للبناء. تلك الثورة التغييرية التي قادها العجوز (دنج تشياوبنج) الذي حاول أن ينمي بلاده بطريقة هادئة إلا أنها منتجة ولها أهداف واضحة لا بد من الوصول إليها, كانت ثورة بلا شعارات كبيرة, مع أنها كانت تهدف إلى مضاعفة الدخل القومي للصين أربع مرات خلال عشرين عاما, بدأت عام 1980 , وهو ما تحقق بالفعل, بل واكثر منه, حيث تؤكد كل التقارير التي يتداولها المحللون في صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة, حيث تؤكد الأرقام انه بحلول الأيام الأولى من العام 2000 , كانت الصين قد ضاعفت دخلها القومي 500 في المئة, وخطاها نحو مزيد من مضاعفة هذا الدخل تسير بثبات, حتى أنها بدأت تبث الرعب بالفعل في قلوب الغرب, وهذا يفسر التراجع السريع في المواقف الأوروبية والأمريكية تجاه انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية, بعد أن كانت تعارض هذا الانضمام بدأت تروج له وتطالب به حتى يمكن معرفة أسباب هذا التقدم السريع بدقة, ومحاولة السيطرة عليه إن أمكن. لكن ما بدأ يلفت الأنظار إلى تلك التجربة (الثورة الاقتصادية الهادئة) أنها لم تتم على حساب تغييرات متعجلة وسريعة مواكبة في الخط السياسي والأيديولوجي للصين, كما حدث في الاتحاد السوفييتي الذي تعجل الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد المفتوح, فأصبح كالغراب الذي لا هو أسرع في الجري ولا أجاد فضيلة القفز, فبدا اعرجا لا يصلح لهذا ولا لذاك. يفسر بعض المحللين القليلين في الغرب الذين يتابعون تجربة الصين بأن النجاح يأتي من توجه تلك التجربة نحو (وسائل العولمة) وليس العولمة ذاتها, أي الاستفادة من الأدوات التكنولوجية التي أنتجتها العولمة لتنتشر من خلالها في العالم كله, فقد فتح الصين الأبواب أمام تكنولوجيا الحواسب الآلية, وكل ما نتج عنها من استخدامات في مجال المعلوماتية. بالطبع تبع ذلك تغيرات في الهيكل الاجتماعي الذي كان قائما ولا يزال في المجتمع الصيني, المبني على أساس الأيديولوجية التي ورثتها عن ماوتسي تونج, وذلك بتوسيع الطبقة المتوسطة إلى أقصى درجة يمكن الوصول إليها, تحت السيطرة الكاملة حتى لا تفلت الأمور ويتحول الأمر إلى انهيار, وذلك لان تلك الثورة كانت في حاجة إلى الطبقة المتوسطة التي تعتبر عماد أي تطلع نحو التقدم الاقتصادي بكل ما تؤدي إليه من فتح المجال أمام الأفراد لتحسين أوضاعهم, مما يجعلهم يبذلون الجهد المطلوب لتحقيق تلك الاهداف. من هنا بدأ الحديث في الصين عن (اقتصاد السوق الاشتراكي) مقابل تعبير (العولمة) بمعناها الغربي, وكانت هذه التسمية تنبع من الرغبة في التفرد أولا, وثانيا الابتعاد عن الدخول في نسق العولمة بمفهومها الغربي, الذي تحول في النهاية من (عولمة اقتصادية) بمعناها المتكامل إلى (عولمة مالية) , بمعنى فتح الأبواب فقط أمام انتقال رؤوس الأموال اكثر من فتح الأبواب حرية تنقل أمام أدوات الإنتاج. وربما كان هذا هو الملفت للنظر, والذي بدأ يشد انتباه الغرب الذي يرى في الاقتصاد الصيني الحالي حالة نادرة ربما تتحول إلى نموذج لنسق اقتصادي يحتذى للهروب من هيمنة العولمة الغربية. لأنه خلال العشرين عاما التي رسمت فيها الصين لنفسها مضاعفة إنتاجها القومي, فان تلك الفترة شهدت سقوط حائط برلين وتهاوي الاتحاد السوفييتي, واختفت القطبية الثنائية, وتحولت الولايات المتحدة إلى المهيمن الوحيد, لكن المحللين يجدون صعوبة في تصنيف الصين, لأنها أصبحت نموذج (التكامل خارج النسق) , أي أقامت اقتصادا متكاملا يؤمن بأيديولوجية مختلفة, ويحصل على نتائج افضل من النتائج التي يبشر بها دعاة العولمة أنفسهم, إضافة إلى صعوبة تأثر الاقتصاد الصيني بحركة رؤوس الأموال وما ينتج عنها من مضاربات وانهيارات هنا وهنا. وبدا هذا واضحا أثناء أزمة (النمور الآسيوية) في جنوب شرق آسيا خلال عامي 97-98 , التي اهتزت لها أسواق العالم من اليابان إلى البرازيل, دون أن تصيب بالطبع من صنعوا تلك الأزمة من غرفهم المكيفة في الغرب. خلال تلك الأزمة انهار نموذج النمور الآسيوية الذي كان مثالا على التطور السريع الذي كانت تحاول دول الغرب ودعاة العولمة أن تقدمه كنموذج يحتذى في العالم المتخلف الباحث عن النمو. انهارت أسواق جنوب شرق آسيا, حتى أن عملاتها فقدت خلال ليلة واحدة ما جمعته خلال سنوات طويلة, تماما كجحر النملة الذي داسه خف فيل, حتى أن اقتصاد اليابان لم ينجح في إعانة تلك العملات على الرغم من ارتباطه بها بشكل وثيق. إلا أن الصين ظلت تواصل طريقها ورفضت مجرد التفكير في تخفيض قيمة عملتها (اليوان) , فقد انتظر المراقبون في الغرب لفترة طويلة أن تنهار العملة الصينية أسوة برفيقاتها في جنوب شرق آسيا, ولكن الانتظار طال وظلت العملة الصينية في مكانها, بل تحولت مع مرور الوقت إلى ملجأ للعملات الأخرى في المنطقة. وعندما وقف نائب رئيس الوزراء الصيني في ملتقى (دافوس) الذي يعتبر وكر دعاة العولمة, ليؤكد أن بلاده لا تفكر في مجرد الاقتراب من قيمة العملة الوطنية, تلقى الحاضرون كلامه بالسخرية, وفي ابسط الأحوال تعاملوا مع كلماته على أنها نوع من الدعاية التي تطلقها الصين لتؤكد على (عافية) اليوان. ربما دفعت الصين ثمنا غاليا لهذا الموقف من عملتها, لكنها أكدت لدعاة العولمة انه من الممكن أن يكون هناك اقتصاد خارج السيطرة, وبعيدا عن الأزمات المصطنعة, التي تحاول أن تضم اقتصاد العالم كله تحت جناحها, وتفرض عليه (العولمة) فرضا حتى يمكن الحفاظ على الاقتصاد الغربي وتقويته من خلال صنع أزمات سريعة من وقت لآخر, كما جاء في كتاب (هنا لا يمكن أن يحدث) للباحث الاقتصادي الأسباني (خواكين استفاينا) . استقلال الاقتصاد الصيني وبروزه كبديل عن (العولمة المالية) المفروضة من الغرب لم يكن وليد الصدفة, بل كان نتيجة لتفكير هادئ وعاقل, استفاد من التقدم التكنولوجي المعلوماتي الذي أصبح متوفرا لمن يريد التقدم بفضل العولمة ذاتها, وتزاوج هذه التكنولوجيا مع احتياجات مجتمع معين يرغب في تحسين أوضاعه. اطلبوا بديل العولمة من خلف أسوار الصين. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا