بقلم: د. محمد خالد الأزعر لم تكن قوات الجهاد المقدس الاطار الوحيد للمقاومة الفلسطينية المسلحة قبل 15 مايو ,1948 لكنها شكلت في الواقع التجربة الأكثر أهمية وفعلا ودلالة, وفيما يخص أهلية الطرف الفلسطيني للتعبئة والحشد على أسس عسكرية منتظمة, تحاكي الجيوش المعروفة في محيط فلسطين وقتذاك. لقد أخذ مفهوم الجهاد المقدس في الأدبيات الشحيحة التي استطردت اليه مسميات مختلفة نسبيا, إذ أشير اليه تحت عناوين حركة وجماعة وقوات وجيش.. ومع تباين المضامين التي تعنيها هذه المسميات إن شئنا الدقة المفهومية, فانها جميعا تتفق على كونها تعرف بقوة جهادية فلسطينية الأرومة, إحترفت نمط الكفاح المسلح في مواجهة التحالف البريطاني الصهيوني قبيل وأثناء حرب 1948-1949. وتتفق أيضا في الربط العضوي بين هذه الظاهرة العسكرية والقائد التاريخي (عبدالقادر الحسيني) المعروف بشهيد القسطل, باعتبار أن نشأة الجهاد المقدس ونضالاته, قياما ووقودا, اقترنت الى حد بعيد بهذا الرجل. تعود ارهاصات هذا التنظيم الى عام 1931 وذلك في سياق المرحلة بين عامي 1929 و1936 من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية. وهي مرحلة شهدت تحولا نوعيا في نمط مقاومة الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني من أنماط المقاومة المدنية الى أنماط العنف. وكانت نشأة هذا التنظيم قد واكبت وتزامنت مع تبلور حركات جهادية أخرى, أبرزها حركة الشيخ عز الدين القسام, وقد التزمت جميعها جانب السرية. استهدفت حركة الجهاد المقدس بين عامي 1931 و1936 تهيئة الشباب الفلسطيني واستقطابه وتعبئته وتدريبه وتسليحه استعدادا للقتال, فقد تجلت في تلك السنوات مخاطر الغزوة الاستيطانية الصهيونية على الصعد السكانية (بفيض هجرة يهود شرق أوروبا بعد صعود النازية) والعسكرية (بانتشار التنظيمات المسلحة اليهودية سرا وعلانية) والسياسية (باتضاح عدم عدول بريطانيا عن سياسة الوطن القومي اليهودي في فلسطين). انتشرت خلايا الجهاد المقدس بوتيرة متسارعة في مدن فلسطين وقراها, وساعد على ذلك تغلغل عبدالقادر الحسيني في تضاعيف المجتمع الفلسطيني بحكم وظيفته كعضو مرموق في دائرة تسوية الأراضي التابعة لحكومة الانتداب (قبل أن يستقيل منها عام 1935). وهو موقع هيأ له الاحتكاك بأوساط الفلاحين في مواضعهم وتشكيل مجموعات كوادر نشطة من بينهم. في 25 مارس 1934 عقدت قيادات الحركة اجتماعا سريا في منزل الشيخ (محيي الدين الحسيني) خال عبدالقادر الحسيني بالقدس, وفيه جرت اعادة بناء التنظيم الداخلي للجهاد المقدس على أساس الخلايا التي تتكون من خمسة أفراد لكل واحد منها يرأسها مسئول.. وأنيطت بزعيم الحركة عبدالقادر الحسيني مهمة التنسيق بين هذه الخلايا. وتمت تسمية لجنة عليا للحركة من حسن سلامة وناقد الحسيني وجميل الفارسي وصالح الريماوي وإميل الغوري, لمعاونة القائد والعمل على تنمية موارد الحركة من المال والسلاح. وبخصوص التمويل, اعتمدت الحركة على تبرعات أعضائها بحسب قدراتهم. وعلى نصف راتب عبدالقادر الشهري, ثم راتبه كله في وقت لاحق, وكذا على تبرع مالي من الشيخ محيي الدين الحسيني أولا, ثم من جانب الوطنيين الموسرين الذين يمكن الوثوق بكتمانهم الأمر. بتلك المبالغ الزهيدة أمكن توفير بعض الأسلحة من البنادق والمسدسات, لكن انتشار التنظيم وتوسع عضويته, أبرز قضية الافتقار للتمويل ومن ثم التسليح اللازم, وعلى سبيل التغلب على هذه العقبة (المعضلة) التي ستلازم العسكرية الفلسطينية كظلها منذ ذلك الحين), لجأ قائد التنظيم الى وسائل غير تقليدية, عكست ما اشتهر به من جرأة شديدة, كالسطو على مخافر الشرطة والجيش البريطاني.. والاستعانة بعلاقات المودة مع رجال الأمن الفلسطينيين وبعض البريطانيين أيضا, لشراء رجال الحركة للسلاح مع اخفاء الأهداف الحقيقية لهذا التسلح. ووفق عمليات تمويه جدية, أنشأ التنظيم سبعة مراكز للتدريب في أماكن متفرقة من فلسطين, وتولى هذه المهمة فريق من صغار الضباط السوريين والعراقيين, الذين تسللوا لفلسطين بمعرفة عبدالقادر الحسيني, وبعض الضباط الفلسطينيين العاملين في دوائر الأمن الحكومية ممن نالوا ثقة قيادة الجهاد المقدس. بدت فعالية هذا الجهد إبان ثورة 1936- 1939 التي تنسب طلقتها الأولى لعبد القادر الحسيني فجر 7/5/1936 هذا مع أن أنشطة الحركة المسلحة السرية بدأت قبل ذلك, على شكل نصب كمائن لدوريات الجيش والشرطة ومهاجمة حراس المستعمرات الصهيونية, لكن الحركة أفصحت عن ذاتها علنا في معمعة الثورة, واتخذت فصائلها من تلال فلسطين وريفها قواعد لها. استخدمت الحركة عمليات الكر والفر المعروفة في حروب العصابات, وكان لفرق التدمير القوية التابعة للحركة بقيادة المجاهد (فوزي القطب) فضل في إرباك خطوط مواصلات قوات الانتداب (الاحتلال) البريطاني. ومن المعروف عن أحداث تلك الثورة الكبرى, أن متطوعين عرب شاركوا في نشاطها المسلح تحت قيادة (فوزي القاوقجي) غير أن هذه المشاركة اقتصرت على مرحلة واحدة من مراحل الثورة (بين مايو وأكتوبر 1936) وهي التي شهدت الاضراب الفلسطيني الكبير. أما بقية مراحل الثورة التي استمرت حتى سبتمبر ,1939 فقد انفردت فيها بالنضال حركة الجهاد المقدس وقوى فلسطينية بحتة, وإن شاركت عناصر عربية من خلال هذه القوى. من أشهر معارك الجهاد المقدس إبان الثورة, معركة اليامون شرقي جنين (3/3/1938) وبئر السبع (9/9/1938) وطبريا (3/10/1938) والقدس (17/10/1938). وفي معركة (بني النعيم) التي استخدمت فيها قوات الاحتلال البريطاني الطائرات, فقدت الحركة بعض قياداتها, وأصيب عبدالقادر الحسيني بجراح نقل على أثرها للمستشفى الانجليزي بالخليل ثم جرى نقله الى سوريا فلبنان. ومن هناك نجح في السفر الى بغداد بجواز سفر عراقي تحت اسم (محمد عبداللطيف) . والواقع أنه بعد تلك المعركة, تضعضعت قوات الجهاد المقدس واستشهد بعض كبار قادتها مثل عبدالرحيم الحاج محمد وعلى الحسيني, وتسلل بعض آخر منهم الى الأقطار العربية بالجوار. وبانتهاء ثورة 1936 ـ 1939 جرى ما يمكن اعتباره تعليقا للتنظيم ولم تتجدد حركته بقوة, إلا عقب قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947. كاتب فلسطيني ـ القاهرة