بقلم: د. شفيق ناظم الغبراء تشكل الفئة الشابة في البلاد العربية اغلبية تكاد تكون مطلقة فسبعون بالمئة من العرب هم دون الخامسة والعشرين, كما ان ستين بالمئة هم دون الواحد والعشرين اما نصف العرب تقريبا فهم دون السادسة عشرة من العمر. وهذا يعني ان معظم السكان في كل دولة عربية من الخليج الى المحيط هم دون الخامسة والعشرين. ورغم معرفة الكثير من العرب بهذه الحقائق الا ان التفكير بها والالتزام بالتعامل معها هو الامر الذي ينقص عالمنا. فللجيل الجديد الكثير من الاحتياجات والمتطلبات. ان الاساس امام المجتمعات العربية اليوم هو في تأمين ما يساعدها على استقبال واستيعاب هذه الطاقة الشابة الصاعدة. ففي كل مجتمع طاقات بحاجة الى وسائل في التعليم الحديثة, وبحاجة لتطوير وتدريب, وبحاجة الى مؤسسات تساهم في تحويلها الى طاقة انتاج تخدم المستقبل وآفاقه. ان الفشل في استيعاب الجيل الشاب سوف يعني تراكم مشكلات العرب, وتراكم قضاياهم التي تنقصها الحلول ان الفشل سوف يعني جيل ينقم على الاجيال القائدة, وجيل يمتهن مهن الفوضى والاتكالية وسوف يعني فوق كل شيء المساهمة في بناء جيل يستمع لرسائل العنف وتدمير الذات. ان الجيل الذي لا يكون جزءا من الحل يتحول مع الوقت الى جزء من المشكلة. لهذا يبرز في كل مكان التساؤل: كيف نستوعب وكيف ننمي؟ ولو تساءلنا عن وسائل التنمية لوجدنا انها لا تعتمد على وسيلة واحدة. فالجيل الشاب لن يتفوق على نفسه في ظل مؤسسات تعليمية تشجع الحفظ على حساب التفكير وتشجع التكرار على حساب الجديد. الجيل الشاب يتطلب اعدادا خاصا مفادةه المقدرة على التعامل مع عصر المعرفة الجديد, وهذا يعني تعلم لغات العصر ووسائل تفكيره وروحية الخلق والنقد التي تسود مراكزه.. وهو جيل يتطلب اعدادا نفسيا وروحيا ورياضيا واعدادا يساعد في ابراز مقدرته على مواجهة ظروف المستقبل. لكن التعليم الذي يؤدي غاياته يتطلب الكثير من الاصلاح والتغير والتعديل وذلك ليساهم في ابراز عقلية جديدة تنجح في موازنة الماضي مع المستقبل, وموازنة النقد مع الاتزان والحرية مع المسئولية والجدية مع بناء المستقبل. لكن التعليم لا يكفى, فالحاجة لخلق وظائف جديدة في قطاعات العمل حيث مستقبل التنمية اصبح بحد ذاته امرا ملحا. لكن هذه الضرورة غير ممكنة بلا انفتاح يساهم في تغير القوانين وفتح الاسواق ورعاية الابداع وتشجيع الانجاز. فالعمل لا ينمو الا في ظل القطاع الخاص, والقطاع الخاص لا ينمو في ظل قوانين شكلية, وفي ظل وسائل حماية قديمة, وهو لا ينمو في ظل بيروقراطية تجمد المكان والزمان. ان رؤوس الاموال التي تنمي القطاع الخاص تنمو في ظل ظروف مؤاتية وقوانين مشجعة. ففي السابق هاجرت رؤوس الاموال العربية هربا من الاجراءات والمخاوف والحروب والتأميمات والبيروقراطية. فهل نعي الآن ضرورة توفير الشروط التي تعيدها لصالح الجيل الشاب ومستقبله؟ الجيل الصاعد يتطلب اذن جبهتين اساسيتين للعمل وذلك لينمو ويرتقي. الاولى جبهة التعليم الحديث والروح النقدية التي تساهم في بناء جيل يفكر بروح منطقية قادرة على ربط الامور ببعضها البعض والبحث عن المعلومات الجديدة بوسائل عصرية. اما الجبهة الثانية فهي جبهة بناء مؤسسات تستقطب طاقات العمل لهذا الجيل في اطار يساهم في التنمية. لكن في النهاية: ان الامة التي تستوعب اجيالها تسعى بطبيعة الحال نحو المستقبل اما الامم المتحدة لا تستوعب اجيالها وتساهم في طردهم من مؤسساتها ومن واقعها وتساهم في هجرتهم ووقوفهم على ابواب سفارات الهجرة فهي تفقد مع الوقت قواها وقوة دفعها اليومية. ان المستقبل يقع اساسا في الجيل الشاب والاستعداد لقدومه. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت