تكتبها: عائشة ابراهيم سلطان في برنامج تلفزيوني بثته إحدى المحطات تحدث المذيع وضيوفه عن الصحافة: فوائدها وضروراتها, ما لها وما عليها, فقال الضيف الأول: الصحافة وسيلة اجتماعية اخترعها المجتمع لتحد من تسلط النخب الحاكمة فيه عن طريق نقدها ومراقبة أدائها السياسي والاقتصادي, وقال الثاني: ولذلك فهي سُلْطَةٌ رابعة (بضم السين) فما كان من المذيع إلا أن فتح الحوار لأحد السادة المشاهدين الذي علق قائلا: ولكنها تحولت أيها السادة إلى سَلَطة (بفتح السين) عربية وباقة منوعات!! في أحد المنازل كانت أسرة عربية تتابع البرنامج فقالت ربة الأسرة: أنا أعتقد بأن للصحافة فوائد أكثر أهمية, فالتفت الابن قائلا: أصبحت تقرأين الصحف من وراء ظهورنا يا أمي؟ علق الأب: فلنبشر بثورة نسائية إذن! صرخت الأم: مهلا يا جماعة, فأنا أرى ان فائدة الصحف الكبيرة تكمن في غسيل الزجاج ووضعها على أرفف المطبخ وفرشها على طاولة الطعام!! إذا أدخلنا الخادمات في الحوار حول أهمية الصحافة أو الصحف فسيقلن الآتي: ليست سوى مزيد من العبء علينا عندما تتكدس الأوراق في الغرف والصالات ويطلب منا حملها وتكديسها في الخارج, ولكنها في كل الأحوال ليست سوى تبذير أموال لو أضيفت لرواتبنا آخر الشهر لكان ذلك خيرا وبركة. الصحافة التي ننظر إليها على انها صناعة الوعي الجماهيري, والتنوير العقلي, والمؤثرة في توجيه الرأي العام والضاغطة على سلطات المجتمع باتجاه قرارات في صالح المجتمع, يقيمها آخرون على انها لا تقل أهمية وشبها عن غسالة الصحون أو الملابس!! أما كيف فإن هؤلاء الآخرين يعتقدون بقدرتها على تنظيف وغسل الأدمغة ودفعها في اتجاه معين, تماما كما فعل مقال لأحد الصحفيين الذي غسل أدمغة طلاب يعدون بالآلاف ودفعهم لمظاهرات صاخبة في شوارع إحدى المدن العربية حيث سالت دماؤهم. وعندما أنظر إلى غرفتي في بعض الصباحات التي أنهض فيها باكرا, أتلفت حولي فأجد أكواما من الصحف والمجلات تملأ الأركان, خاصة وان الخادمة لم تأت بعد لتحملها للخارج, عندها أتساءل: يا إلهي أيُعقل انني طالعت كل هذه الأوراق الكبيرة وتصفحت كل هذه المجلات المتشابهة؟ وأعود إلى دماغي المسكين أقبض عليه بكلتا يدي خوفا عليه مما قد يصيبه من كل هذا الرعب الذي يملأ الصحف, والسخف الذي يملأ المجلات. ثم عندما أهم للخروج للعمل أتذكر بأنني متجهة صوب الجريدة, لأكتب المزيد مما سيقرأه الناس, ولأقرأ الكثير مما يكتبه الآخرون, ثم أتذكر شيئا أهم هو ان هذه الجريدة هي مصدر رزقي الوحيد, ساعتها أقول: تبا لكم يا من تتحدثون عن صاحبة الجلالة الصحافة بكل هذه السخرية, وعندها أصرخ عاليا: تحيا الصحافة العربية قائدة التنوير والتغيير وصانعة الرأي الحر المستقيم, وغسالة الصحون, عفوا مطهرة العقول. وعذرا لجميع الرعايا في بلاط صاحبة الجلالة.