بداهة يمكن القول إن الاهتمام بالشباب العربي كشريحة اجتماعية فاعلة يعني الاهتمام الجاد بصناعة المستقبل ورصف امكاناته البشرية والاخلاقية والعلمية والمعرفية والثقافية والدينية بالاتجاهات الصحيحة المرغوبة, لأن وعي هذه الحقيقة الموضوعية لاهمية ومكانة الشباب في مجتمعنا العربي الفتي لا تحتاج لادنى جدل وتفكير. وهي ضرورة حتمية تفترضها طبيعة الخصائص النمائية التطورية والعقائد الدينية والدنيوية لهذه الشريحة لما لها من أدوار اساسية في ديمومة التواصل المجتمعي بين الاجيال السابقة واللاحقة وصلاح آليات التفاعل في كل المساقات الحياتية. ثمة حقائق ومعطيات تفترضها الحياة المجتمعية العربية بكل فئاتها العمرية وشرائحها الطبقية والشبابية على وجه الخصوص, وما تحمله من مؤثرات بيئية ومورثات بيولوجية فطرية ومعرفية مكتسبة, ومحركات تفكيرية وبصرية عقدية وايديولوجية وغيرها من الفاعليات والمسميات, بحيث لا يمكن تجاهل حقيقة أن المجتمع العربي هو مجتمع فتي تحتل منه شريحة الشباب (الذكورية والانثوية) المكانة الرئيسة القيمية والعددية, وحالة استثنائية نمائية بكل ابعادها وتجلياها السلوكية والدلالية والمعرفية, لأنها باعتقادي تأخذ موقع القلب من عموم الجسد, وهي ليست مصادفة ان تتبوأ هذه الترميزية المجازية مكانة في عموم جسد المجتمع العربي دائمة التدفق والحيوية والحركة النابضة في العروق والشرايين وكافة تفاصيل الصحة والعافية, ويؤسس من خلال هذه المطابقة الافتراضية لموقع القلب بالجسد وتماثيلة موقع الشباب في المجتمع. لذا لابد من مراعاتها في أية نظرة تأملية وبحثية عبر قنوات الاستقصاء الناضجة التحليلية العقلانية لصيرورة هذه الشريحة القلقة بمعايير نقدية انسانية جامعة للخصوصية وللقيم الفكرية ومحددات الخصائص النمائية التي لابد منها في اية مراجعة بنائية لقنوات المجتمع التواصلية لافراده المندمجين في دينامية الجماعة ذات الصلة التكاملية, لما يمثله الشباب في هذا الاتجاه من مؤشرات ايجابية لافاق مستقبلية منظورة واستشراف لمعطياته وان تأخذ موقعها التأويلي والاجتهادي في صلب المفاعيل الاجتماعية العاملة على خلق مستقبل افضل. اذن وبناء على ما تقدم نجد بأن شريحة الشباب العربي المتواجدة على الدوام في بنى المجتمع العربي ولكنها غير متبلورة كحالة ثقافية او فكرية او عقدية, بل متحققة بأنماط سلوكية مرئية ومتسمية بدينامية حياتية متفق بشأنها اصطلاحا كفئة عمرية عامرة بالخصوصية المسلكية والسمات البنيوية الخلقية الفيزيولوجية والمكتسبة المتكيفة مع ذاتها في سياق غير مستقر سسيولوجيا (اجتماعيا) وخارجة عن اطار السيطرة الاجتماعية الموجهة والضبط (التحكم) الانساني. وقد وضعها العلماء المتخصصون في ميادين العلوم النفسية والانسانية والنمائية باسم (المراهقة) وصنفوها في ثلاثة انماط عمرية الاولى مراهقة بدنية تمتد ما بين سن 12 ـ 15 عاما, والثانية مراهقة متوسطة من سن 16 ـ 18 عاما, والثالثة مراهقة متقدمة من سن 19 إلى 21 عاما. وهذا يقودنا الى تأكيد ما قلناه سابقا بأن شريحة الشباب كمرحلة عمرية لبناء المجتمع والاهتمام بها يعني المساهمة الجادة في صنع المستقبل المشرق لما لهذه الشريحة الاجتماعية من المكانة المتميزة في خلق مجتمع افضل متوازن المساقات النمائية والتطورية في تعاقب الاجيال وايجاد الكوادر والملكات القيادية في ميادين المجتمع كافة. لأن حسن التفاعل معها وإدارة دفة القيادة والتوجيه الصحيح سلوكيا (التربية) ودينيا (سلامة العقيدة وفكريا (الايديولوجية) ستقودها بلا ادنى شك الى مسالك اجتماعية محمودة النتائج سواء على صعيد الذات الفردية أو المجتمعية الجمعية والجماعية, وإلا ستكون هذه الشريحة (الاكبر) في المجتمع العربي اكثر عزلة وقلقا وتهميشا وتقود الى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها. وانكار هذه الشريحة مسألة (اشكالية) متجددة ومقدمة لانهيار المجتمع وتداعي اركانه وانفلاته وتلاشي قدراته البشرية الكامنة التي تحتلها شريحة الشباب باعتبارهم وحدهم البوصلة الراصدة لصلاح المجتمع وخلق بيئة عربية فاعلة ومؤثرة بما حوله من معطيات حياتية اخرى محليا عربيا ودوليا. ومن سمات مرحلة الشباب النمائية انها متقلبة على الدوام تغيير بنيوي وبيولوجي وحسي ونفسي وانفعال مفاجىء ينقل الطفل الصغير في تكوينه الجسدي وانماط علاقاته ومحسوساته واحاسيسه المتسارعة بالنمو عبورا ملحوظا في يفاعته انتقالا الى مرحلة اكثر تعقيدا وتناقضا ونضجا.. من العبثية الطفولية اللامسئولة الى حالة البلوغ وتحمل المسئولية وتأمل الأهلية الاجتماعية والقانونية والاخلاقية والدينية والشعور بالرجولة المبكرة في وقت زمني قصير إذ يقع الشباب ما بين مرحلتين متناقضتين من الناحية الشكلية الجسدية التغيرية, ومن الناحية العقلية المدركة والحية ـ الانفعالية والتعامل مع المحيط الاجتماعي فيحاول تجاوز مرحلة الطفولة والمراهقة في آن معا, ومختصرا المسافة ما بين عامل الرجال والراشدين, فلا هذه ولا تلك يمكنه تجاوزها دون مساعدة موجهة من رقيب متبصر لماهيتها وكينونتها ومتغيراتها النمائية التطورية, وبحاجة ماسة لصديق فاهم لخصائصها النمائية المتصلة مباشرة بأنماط الحياة الاجتماعية التواصلية داخل الاسرة والمدرسة وقنوات المجتمع المتعددة, وإلا فإنها ستندحر أمام ذاتيتها ومشاريعها واحلامها الوردية الخالية من واقعية اللحظة الحياتية المعيشة ويغدو الانزلاق محببا والانزياح عن تقاليد المجتمع واصوله مجالا حيويا لسلوكها الحياتي, والسقوط المعلن في براثن المغريات الانحرافية الكثيرة الوجوه والاشكال والمناقب والآليات التي تتيحها في وقتنا الحالي مسالك العولمة في شقيها المعلوماتي والثقافي على وجه الخصوص تجعل من الشباب العربي لقمة سائغة سهلة على موائد التسليع السطحي البضائعي لتفشي ثقافة (اللاثقافة) الاستهلاكية ـ التغريبية لان العولمة باعتقادي هي (ديناصور) المجتمع الكوني الحالي تجسدها مجموعة من المفاهيم والآليات والادوات والمقولات وفي مقدمتها (النظام العالمي الجديد) الذي يعتبر العالم مجرد كرة كونية (القرية) لابد من نمذجتها وفق اثواب الحقبة العولمية وبكل المعايير والمنابت الاحتوائية والاتجاهات الحياتية في سلوك الافراد والمجتمعات والدول تقوم على القضم المتدرج لتراث الشعوب ووجودهم الحضاري والمكاني (خطوة ـ خطوة) باتجاه التهامه بآليات اقتصادية وتقنية وسياسية وعسكرية وثقافية وتسليعية جبارة تطحن في طريقها كل حضارة وعلوم ومعارف وامم ودول في خدمة النزعة الليبرالية للدول الامبريالية القادرة على ديمومة شهيتها مفتوحة نحو تخمتها المطلقة اللاانسانية, وافقار قصدي ومدرك للعديد من الشعوب. كاتب من سوريا