بعد ستة وعشرين عاما من صدور القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1974 والصادر في العاشر من يونيو عام 1974 في شأن الجمعيات ذات النفع العام شهدت فيها الساحة المحلية الكثير من التحولات والمتغيرات سواء على الصعيد الاجتماعي او الثقافي او الاقتصادي, يجدر بنا ان نتوقف لتشخيص المرحلة الماضية ومدى تأثير تلك التحولات على اوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية في اطار رؤيتنا المستقبلية, ولعل مراجعتنا لواقع هذه الجمعيات وتشخيص ادوارها ومراحل تطورها تعتبر في غاية الاهمية لما لهذه الجمعيات من دور مهم يمكن ان تلعبه في تحقيق التنمية والارتقاء بالانسان الاماراتي واعداد مجتمع الامارات لمرحلة العولمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بل وحتى السياسية!! ان تشخيصنا لواقع هذه الجمعيات مرجعه اهميتها باعتبارها شكلا من اشكال مؤسسات المجتمع المدني, ويتجسد هذا التشخيص من خلال البحث عن اسباب تراجع دورها الاجتماعي واوجه الخلل والضعف الذي اصبح ملازما لها خلال السنوات الاخيرة بعد عطاءات ملحوظة وواضحة لها خلال سنوات السبعينيات وبدايات الثمانينيات, ولعل تحديدنا لطبيعة المعوقات واسباب التراجع التي تعترض مسيرة هذه المؤسسات يشكل خطوة اساسية في تصحيح مسارها وابراز دورها واعادة هيبتها كي تساهم في بناء الانسان والمجتمع. فهل معوقات هذه الجمعيات قانونية تشريعية؟ ام ادارية فنية؟ هل هي مجتمعية ام فردية؟! هل الخلل والضعف يكمن في المؤسسين لها والاعضاء المنتسبين اليها؟ أم في الادارات المتعاقبة عليها؟ كيف ينظر المجتمع لهذه الجمعيات؟ وكيف تنظر السلطات والمؤسسات الحكومية لدور هذه الجمعيات؟ ما مدى قناعة المسئولين في الوزارات بدور هذه الجمعيات؟ وما مدى قناعة اعضائها بالدور المنوط بها بعد مضي كل هذه المدة؟ لماذا هجرها الاعضاء واصبحت خاوية على عروشها تنعي نفسها وواقعها والحال الذي آلت اليه؟! لماذا الجمعيات والمهنية تحديدا تسجل تراجعا كبيرا فيما الجمعيات الدينية والخيرية تسجل حضورا ملموسا ليس على صعيد المجتمع فحسب وانما على صعيد الخارج؟! لماذا هذه السلبية التي تفشت في اوساط الاعضاء الذين يشهدون احتضار هذه الجمعيات التي ساهموا في ميلادها فيما يقفون متفرجين؟! هل هي ازمة ثقة في دورها ام هي ازمة ثقة في ذات الاعضاء؟ هل ننتظر اعلان وفاتها لنشيعها الى مثواها الاخير؟ ام نهب لنجدتها؟! من جهة اخرى قد نتناول بعد مضي هذا العمر حول مفهوم التطوع لدى شريحة الاعضاء خاصة وفي مجتمع الامارات عامة؟ هل هو تقليد ام واجب يمليه واقع التطور والمسئولية الوطنية؟ هل انحسار وتراجع دور ابناء الامارات عن تأدية واجبهم يعني ضعف الولاء والانتماء للارض والوطن؟ هل الازمة الحقيقية في الجمعيات وذاتها ام ان الازمة في حقيقة الامر هي ازمة الانسان في الامارات؟ لقد جاء انعقاد الجمعية العمومية لاتحاد كتاب وادباء الامارات لاجتماعها السنوي مساء يوم الثلاثاء 11/4/2000 ليؤكد حقيقة الحال الذي آل اليه واقع الجمعيات ذات النفع, اذ لم يكن وضع اتحاد الكتاب والادباء مختلفا عن بقية الجمعيات ذات النفع العام. فالاجتماع الذي تم عقده بحضور (13) عضوا من مجموع الاعضاء البالغ عددهم (180) وغاب عنه اربعة من الاعضاء السبعة الذين شاركوا في اتخاذ قرار موعد الاجتماع!! وكذلك تأخر هذا الاجتماع الى التاسعة والنصف بعد ما كان الموعد المقرر هو السابعة والنصف, كل ذلك يؤكد ان حال هذه الجمعيات يحتاج الى تشخيص موضوعي وامين بقصد اعادتها الى وهجها السابق واعادة الثقة اليها للنهوض بها ومعالجة سلبياتها, وبالتالي قيامها بتأدية رسالتها تجاه مجتمع يواجه تحديات خطيرة تستهدف كيانه وحضوره ووجوده وانسانه. ان ما حدث لاتحاد كتاب وادباء الامارات يحدث لسائر الجمعيات الاخرى حيث الغياب الواضح لاعضاء الجمعيات العمومية ليس عن حضور اجتماعاتها السنوية فحسب وانما بالتخلي عن مسئولياتهم ودورهم في هذه الجمعيات سواء من حيث المتابعة او المعالجة او المساهمة في برامجها ومواسمها السنوية. وعلى الرغم من اهمية هذه الجمعيات باعتبارها قنوات معبرة عن شرائح المجتمع وتطلعاتهم في بناء مستقبل دولتهم ومترجمة عن حقيقة انتمائهم لوطنهم الا ان الموقف السلبي لاعضائها يجعلنا نقف متسائلين وفي حيرة وهذا ما يدفعنا الى البحث عن اسباب هذا الاحجام او هذا التراجع بل اسباب الازمة. لقد اكدت السنوات الاخيرة (التسعينيات) مدى الضعف الذي اصاب هذه الجمعيات وجعلها عاجزة عن تأدية رسالتها تجاه المجتمع والانسان في دولة تحتاج الى تضافر جهود هذه المؤسسات للنهوض بها والمساهمة في تحقيق التنمية فيها, ولكن واقع هذه الجمعيات يكشف حقيقتها, بل وحقيقة انسان الامارات الذي يعاني من ازمة حقيقية جعلته متراجعا عن دوره ليس حيال الجمعيات وانما حيال وطنه وذاته ولهذه الازمة اسبابها ودلالاتها وتداعياتها. أولا ـ الاطار التأسيسي: اذا كان اعلان دولة الامارات العربية في الثاني من ديسمبر 1971 قد جاء تلبية لرغبة وامنية عاشها وانتظرها شعب الامارات طويلا وحلما راود احلامهم كثيرا ثم تجسد ذلك في فرحتهم الكبيرة حينما تحقق ذلك على ارض الواقع. فإن القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1974 في شأن الجمعيات ذات النفع العام قد جاء صدوره خطوة اساسية في بناء دولة عصرية يكون ابناؤها عمادها ورصيدها وسر تقدمها وتنميتها, لذا فإن هذا القانون قد جاء ليساهم في بناء مؤسسات اهلية تشكل لبنة اساسية في بناء الوعي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي, وليفسح المجال امام ابناء الامارات على مختلف شرائحهم وتخصصاتهم واهتماماتهم ليمارسوا نشاطهم من خلال كيانات ومؤسسات هي جزء اساسي من البناء المؤسسي المدني لدولة تنشد التقدم والازدهار. لقد كانت هذه الجمعيات مطلبا حيويا من قبل شريحة الخريجين والمتخصصين والمعنيين بشئون المجتمع والساعين الى نهضته وتقدمه, وقد كان هذا القانون تجسيدا لرغبتهم بالمساهمة في مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وبموجب هذا القانون صدرت قرارات وزارية من قبل وزارة العمل والشئون الاجتماعية باشهار وتأسيس جمعيات غطت مختلف الاختصاصات والاهتمامات وقد جاء تأسيسها متزامنا مع تأسيس الدولة ومرحلة التكوين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للامارات. لقد عرف القانون الاتحادي هذه الجمعيات من خلال مادته الاولى التي نصت في تعريفها للجمعيات على انها (كل جماعة ذات تنظيم له صفة الاستمرار لمدة معينة او غير معينة تؤلف من اشخاص طبيعيين او اعتباريين بقصد تحقيق نشاط اجتماعي او ديني او ثقافي او تربوي او فني او تقديم خدمات انسانية او تحقيق غرض من اغراض البر او غير ذلك من الرعاية..) ولقد جاء هذا القانون معززا لما نصت عليه المادة (33) من دستور دولة الامارات العربية والتي تضمنت بأن القانون يكفل حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات وفي هذا الاطار ومن اجل تفعيل دور هذه الجمعيات وتسهيل الاجراءات امامها لتأدية رسالتها فقد نص قانون الجمعيات في مادته العاشرة على اعفاء الجمعيات من اية ضرائب او رسوم جمركية بالنسبة للادوات والمهمات المستوردة لحسابها وكذلك استهلاك المياه والكهرباء وكذلك اية ضرائب على حفلات تقيمها هذه الجمعيات (فيما حددت المواد من (12) الى (19) من القانون نفسه طبيعة العلاقة بين هذه الجمعيات ووزارة العمل والشئون الاجتماعية من حيث واجبات والتزامات هذه الجمعيات. اما المواد من (32) الى (35) من القانون نفسه فقد تناولت الجوانب المالية للجمعيات ولا سيما (32) التي نصت على تخصيص الوزارة لاعتمادات مالية في ميزانيتها السنوية تقدمها في هيئة اعانات سنوية للجمعيات ذات النفع العام مشيرة الى الاعتبارات التي تراعيها الوزارة عند تحديدها لحجم الاعانة المقدم لكل جمعية. ثانيا ـ الواقع الحالي: بموجب التقرير السنوي لعام 1999 والذي اصدرته وزارة العمل والشئون الاجتماعية حول نشاط هذه الجمعيات يتضح لنا بأن عدد الجمعيات المشهرة حتى نهاية 1999 قد بلغ 104 جمعيات منها 28 جمعية فنون شعبية وبنسبة 27% واستقطبت رأس الخيمة منها (10) جمعيات, وتأتي الجمعيات المهنية في المرتبة الثانية حيث بلغ عددها (15) جمعية استقطبت امارة الشارقة سبع جمعيات ودبي ست جمعيات وابوظبي جمعيتين, ثم تأتي جمعيات الجاليات في المرتبة الثالثة حيث بلغ عددها في نهاية الفترة (14) جمعية اكثر من نصفها لجاليات اجنبية ومن هذا العدد هناك اربع جمعيات نسائية للسيدات العربيات. ويشتمل العدد الاجمالي على عدد من المسارح العاملة في الدولة وقد بلغ عددها في نهاية الفترة 15 مسرحا موزعا على مختلف امارات الدولة وتقدم لها وزارة الاعلام والثقافة دعما سنويا بعدما تم اشهارها من قبل وزارة العمل والشئون الاجتماعية. اما من حيث التطور العددي للجمعيات فنجد ان هناك جمعية واحدة كانت قائمة قبل صدور القانون المشار اليه آنفا اي في عام 1973 فيما بلغ عددها في عام 1974 نحو عشر جمعيات ثم شهدت السنوات التالية طفرة في عدد الجمعيات ولا سيما في عام 1979 حينما تم اشهار ست جمعيات دفعة واحدة, ليصل العدد الاجمالي لهذه الجمعيات في نهاية 1999 الى (15) جمعية مشتملا هذا العدد على جمعية الامارات للفنون التشكيلية ثم جمعية الفنانين وجمعية المسرحيين واتحاد كتاب وادباء الامارات. لقد جاء التطور العددي هذا مواكبا لتزايد الخريجين خلال فترة السبعينيات والرغبة الاكيدة من قبل شرائح الخريجين والمواطنين اجمالا في احداث نقلة في مجتمع الامارات والمساهمة في تنمية المجتمع والنهوض به. ولقد جاء تعريف الجمعيات المهنية وفقا لطبيعة نشاطها بأنها تلك التي (تقوم على تنشيط وتطوير الحركة المهنية بالدولة في شتى المجالات الاقتصادية والتجارية والمالية والادبية والهندسية والعمرانية والتعليمية والقانونية والاجتماعية بغية مواكبة التطور الذي وصلت اليه دول العالم المتقدم في تلك المجالات) . ثالثا ـ الدعم المادي: تقوم وزارة العمل والشئون الاجتماعية بعد اشهار الجمعيات بموجب القانون بتقديم دعم سنوي يمكن كل جمعية من تنفيذ برامجها والقيام بدورها في خدمة المجتمع واعضاء الجمعية نفسها, فيما تقوم وزارة الاعلام والثقافة بتقديم الدعم المادي السنوي للمسارح بعد صدور قرارات اشهارها من قبل وزارة العمل والشئون الاجتماعية. ولم يقتصر الدعم المادي للجمعيات على وزارتي العمل والاعلام, وانما هناك دعم سخي تقدمه بعض الحكومات المحلية والفعاليات الاقتصادية لهذه الجمعيات ولا سيما حكومة الشارقة التي قدمت وما زالت تقدم دعما سخيا لهذه الجمعيات سواء في هيئة مقار او دعما ماليا مباشرا بقصد تسهيل مهمتها في تأدية رسالتها تجاه الانسان والمجتمع, اما الدعم السنوي المقدم من قبل وزارة العمل فقد بلغ مليونين وثمانمئة ألف درهم في نهاية الفترة فيما بلغ حجم المبلغ المقدم من قبل وزارة الاعلام والثقافة الى المسارح العاملة في الدولة نحو تسعمئة وستين ألف درهم وذلك في نهاية عام 1999م كاتب وباحث من الامارات