ثلاثة مواقف طيبة ازاء العراق تجمعت دفعة واحدة وفي يوم واحد, اولها مبادرة قطر والتي جاءت على لسان وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني, وفيها دعوة للقيام بمبادرة خليجية تهدف إلى انهاء الازمة العراقية واعادة الوضع في منطقة الخليج إلى طبيعته. فالوضع الراهن لا يمكن السماح باستمراره إلى ما لا نهاية, لان الوضع في المنطقة لا يمكن ان يكون طبيعيا قبل ان يعود العراق إلى موقعه الطبيعي فيها, وان تطبيع العلاقات الكويتية العراقية بات ملحا لكونه المدخل نحو اعادة العراق إلى تطبيع علاقاته العربية والاقليمية والدولية. والثاني هو تصريحات وزير الخارجية الفرنسية هوبير فيدرين التي انتقد فيها عمليات القصف وتمديد العقوبات المفروضة على بغداد إلى ما لا نهاية, داعيا واشنطن للبرهنة على بعد النظر فيما يتعلق بالعراق, ومتسائلا في الوقت نفسه (كيف يمكننا ان نتصور ان ظهور جيل الحظر المصدوم سيكون جيدا للسلام والاستقرار في المنطقة؟) . اما الثالث فهو تأكيد وزارة الخارجية الروسية مجددا سعيها إلى الغاء العقوبات الدولية على العراق وشجبها للغارات الجوية عليه والتدخل في شئونه الداخلية. اذا اخذت هذه التصريحات في اطار سياقها الطبيعي, فهي لابد ان تؤشر إلى امر واحد, وهو ان عودة العراق إلى الساحتين العربية والدولية قد باتت قريبة. ويجب ألا يفهم من هذا الكلام ان هذه العودة سوف تحدث غدا أو بعد غد, لكنها تعني ان المبررات, التي استندت إليها عملية ادامة الوضع الراهن باتت عديمة المفعول الامر الذي يوجب التخلي عنها, وهذا هو فعلا ما يحصل اليوم. ولابد ان المسئولين في البلدان الثلاثة يملكون من المعلومات والاستنتاجات ما يكفي للخروج بقراءة تفترض اتخاذ مثل هذا الموقف. وهو امر يمكن التكهن به مع تزايد عدد الدول العربية والاجنبية التي تعيد علاقاتها مع العراق, وكذلك ايضا اتساع حملة التضامن العالمي معه. وباعتقادي ان تلك القراءة تستند إلى عدة امور نلخصها هنا في التالي: اولا, ان العراق يظل رغم كل شىء بلدا كبيرا وغنيا ويملك احتياطيات نفطية ضخمة, وهذه حقيقة ثابتة, لا يمكن ان تتجاهلها القوى الدولية أو الاوساط المالية والاقتصادية العالمية المتنفذة, الان او في المستقبل. ثانيا, ان العراق يعتبر احدى قوتين اقليمتين في منطقة تصنف بوصفها منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة وللعالم, وهذا يعني ان حساب العراق في اية ترتيبات قريبة أو بعيدة يظل ملموسا ومن الصعب تجاوزه, وان مستقبل هذا البلد والكيفية التي ستئول اليها الامور هي موضع اهتمام من جانب صانع القرار في الدول الكبرى, ولن يغير الزمن ايضا من هذا الامر الشيء الكثير. ثالثا, ان الرهانات الدولية لا تدور حول اهمية العراق من عدمها, فهذه لا يختلف عليها الكثيرون, وانما تدور حول طبيعة النظام الذي يحكم هذا البلد. فالولايات المتحدة على سبيل المثال تريد نظاما في العراق مفصلا حسب مصالحها واستراتيجياتها, وموقفها الحالي من الحصار ومن القصف الجوي المستمر على هذا البلد, يصب في هذا الاتجاه, في حين ان دولا مثل روسيا أو الصين أو فرنسا أو بعض الدول الاوروبية الاخرى, ليست لديها مشكلة من هذا النوع, فهي تعترف بالنظام الحالي في العراق ولديها الاستعداد الكامل للتعامل معه. رابعا, اعطى العالم, طوال عشر السنوات الماضية, وبصورة معيبة يندى لها الجبين, الولايات المتحدة الوقت والحرية كي تجرب سياساتها في العراق, من حملات قصف جوي لم يتوقف منذ عشر سنوات, ومن مؤامرات استخباراتية ومن حصار وتجويع للعراقيين, ومن عزلة تسهر الاساطيل الامريكية على ادامتها, ويتجول مسئولو الادارة الامريكية للتنظير لها والتهديد من اجلها, لكن واشنطن فشلت رغم كل ذلك في تحقيق اهدافها. الشىء الوحيد الذي نجحت فيه هو ابادة قرابة المليوني مواطن عراقي, وتدمير البنية التحتية في هذا البلد, وتعذيب سكانه بحرمانهم من الغذاء والدواء. خامسا, اتضح للعالم كله خلال الفترة الماضية ان الادارات الامريكية لم تكن معنية او حريصة على تطبيق القرارات الدولية فيما يخص العراق, وهي ليست مهتمة اليوم ايضا بمعاناة الشعب العراقي, وانما كل ما يعنيها هو خدمة مصالحها الضيقة, وان تطلب الامر انتهاج سياسة عناد وثأر مكشوف وواضح من العراق اطول فترة ممكنة. والحال انه ازاء الفشل الامريكي المدوي, باتت دول العالم الاخرى, ومن بينها الدول العربية, معنية بمطالبة واشنطن بفك اسار الملف العراقي واخراجه من خزائنها, فالأمر الطبيعي انه ما دامت واشنطن عاجزة عن حل الازمة العراقية, فيجب ان تعطي الاخرين الفرصة كي يتدخلوا ويبذلوا جهودهم لايجاد مثل هذا الحل, فلا يمكن للاطراف الاخرى ان تبقى للابد اسيرة للمواقف الامريكية. وباعتقادي ان هذا كان بداية التصدع لا داخل مجلس الامن الدولي فحسب, وانما في القبضة الامريكية نفسها, التي بدت عاجزة اكثر فاكثر عن تبرير سلوكها وسياساتها ازاء العراق داخليا وخارجيا, خصوصا بعد ان راحت حججها وذرائعها التقليدية تتداعى الواحدة بعد الاخرى. وفيما يخص الجانب العربي يمكن القول ان العنوان الرئيسي الذي وسم الملف العراقي حتى الان كان هو الجمود. ولكن الجمود كما هو معروف يتناقض مع طبيعة السياسة وحركيتها كما انه يشكل عامل قلق متواصل للدول المجاورة للعراق, وتحديدا دول الخليج العربية والعرب بشكل عام. ليس سرا ان العديد من الاوساط الخليجية سئمت من التعامل الامريكي مع العراق, وسئمت اكثر من ارتهانها لوضع لا تملك حياله الا الصمت والسكوت, على الرغم من ان مفاعيله وآثاره تعنيها هي قبل اي احد اخر. من هنا رأينا الدعوات الرسمية لرفع الحصار تنطلق من الخليج بالذات, من الامارات مثلا, التي دأب رئيسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على المطالبة بوضع حد لمعاناة الشعب العراقي ورفع الحصار واجراء المصالحة العربية. ثم ها نحن نرى قطر وعبر وزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني, يدعو ايضا من الكويت الى مبادرة خليجية لرفع الحصار عن العراق والى تطبيع العلاقات الكويتية العراقية. ليس في الامر اذن مفاجآت كبيرة. وانما فيه احساس متزايد بحجم الخسارة الخليجية والعربية جراء استمرار الوضع الراهن وبقاء العراق خارج اطار المعادلات في المنطقة. فعلى صعيد الخليج, تحاول دول مجلس التعاون منذ بداية عقد التسعينيات بناء استراتيجيتها الامنية والاقتصادية والنفطية, لكنها تصطدم على الدوام بحقيقة الغموض الذي يلف الموضوع العراقي. واذا اخذنا بعين الاعتبار ان العراق وهو احد اضلاع مثلث التوازن في المنطقة, في اطار المعادلة التقليدية التي حكمت الوضع فيها منذ زمن بعيد, اذا كان العراق مغيبا بصورة قسرية, من الطبيعي ان تشعر دول الخليج بالاضطراب والقلق الناتجين عن هذا الخلل. وبكلمة اخرى فانه من الصعب اليوم ان تبنى اية عقيدة سياسية او عسكرية او اقتصادية في الخليج, بدون معرفة الوضع الذي سيئول اليه مستقبل العراق. وها قد مر عقد من الضياع والانتظار دون جدوى. في حين تخطط الولايات المتحدة لاضاعة المزيد من الوقت. من هنا فان التحرك الخليجي باتجاه حل الازمة العراقية, هو في حقيقته جهد يرمي الى المساعدة في اعادة الوضع الى طبيعته في الخليج, كي يتسنى بعد ذلك التصرف وفق معطيات واضحة ومعروفة, وكي لا يبقى الخليجيون رهائن للوضع الغامض في العراق. ويمكن قول الشيء نفسه تقريبا, مع بعض الاختلافات, بالنسبة للوضع العربي, الذي لايزال هو الآخر أسيرا لحرب الخليج الثانية. فهنا ايضا يعيش الجميع حالة تخبط واضحة. فلا يستطيعون ان يتفقوا على عقد قمة عربية ولا يستطيعون ان يتخذوا قرارا عربيا واضحا بالنسبة الى اي من القضايا المهمة المطروحة على جدول اعمالهم. ان عودة العراق للصف العربي لن تحل هذه الاشكالات تلقائيا بالطبع, لكنها ستزيل احد اهم العقبات التي تعترض اليوم طريق هذا الحل. وباختصار فان مطلب تجاوز ازمة الخليج الثانية باية طريقة, هو مطلب كان ملحا منذ اعوام, واصبح اكثر الحاحا اليوم وسيغدو اشد الحاحا غدا. ولم يعد من اللائق او المقبول, كما يقول وزير الخارجية القطري ان يجلس الخليجيون والعرب وينتظروا حدوث معجزة تخلصهم من هذه الورطة, ونضيف من جانبنا انه من الواضح ان معجزة كهذه لن تأتي. وان التعامل مع العراق وفق نظامه الحالي هو افضل الف مرة من انتظار تشكل وضع لا احد يعرف كيف سيكون.