على نحو غير منتظر انفلقت الصورة الفلسطينية الى مشهدين متناقضين تماما: فوران جماهيري متصاعد الغضب في الشارع, يقابله اجتماع سري في العاصمة السويدية ستوكهلم, تقول المؤشرات انه (اوسلو) اخر على طريق التبلور. هذان المشهدان المتناقضات مفعمان بالدلالات الرمزية المتعارضة. فالاجتماع السري بين ممثلين للرئيس عرفات وممثلين لرئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك, لمجرد سريته وحدوثه على خط مواز للعملية التفاوضية الرسمية المعلنة, مؤشر الى ان القيادة الفلسطينية قررت اخيرا الدخول في عملية مساومة مع اسرائيل حول (الوضع النهائي) وقضاياه المصيرية على اساس الخطوط العامة الاسرائيلية. اما الفوران الجماهيري فهو موجه ضد الاجراءات والتصورات الاسرائيلية لرسم المستقبل الفلسطيني.. وبالقدر نفسه ضد النهج التقهقري للقيادة الفلسطينية نفسها. على اي اتجاه اذن تسير الامور في المستقبل المرئي؟ قبل الاجابة على هذا السؤال نتوقف قليلا عند حدث مهم ذي صلة: استقالة رئيس الفريق الفلسطيني في عملية التفاوض العلنية, ياسر عبد ربه. وبغض النظر عن مصير هذه الاستقالة فانه لا شك في صحة مبررها. فقد قال عبد ربه ان موافقة الرئيس عرفات على عملية تفاوض سرية موازية للعملية التفاوضية الرسمية ترسل رسالة الى اسرائيل والولايات المتحدة مفادها ان هناك انشقاقاً في صف القيادات الفلسطينية. وربما لم يشأ عبد ربه ان يقول ان الانشقاق واقع بالفعل, بمعنى ان التعنت الاسرائيلي التفاوضي في الاصرار على تبعية الكيان الفلسطيني المستقبلي للسيادة الاسرائيلية اياً يكون شكله افضى بالقيادات الفلسطينية اخيرا الى مفترق طرق بحيث انقسمت على نفسها بين فريقين: فريق يرى الا مناص من السير على الطريق المرسومة اسرائيليا, والفريق الآخر يرى ان العملية التفاوضية وصلت الى آخر طريق مسدود... ومن ثم ينبغي وقفها نهائيا تمهيداً لسلوك منهج اخر, وانعقاد اجتماع ستوكهلم للتفاوض السري دليل على ان الرئيس عرفات قرر الاخذ بمشورة الفريق الاول صاحب النهج التنازلي. من هنا يمكن ان نستنتج ان ياسر عبد ربه بتقديمه استقالته يمثل الفريق الثاني الذي توصل الى قناعة نهائية بأن مواصلة التفاوض مع اسرائيل عملية محكوم عليها سلفاً بالخسران الحتمي. يجري هذا على خلفية فوران الشارع الفلسطيني. واذا كان خروج الجماهير الفلسطينية في مظاهرات تحولت الى صدامات مع قوات الامن الاسرائيلية جرى بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين للنكبة ـ قيام الدولة الاسرائيلية على الارض الفلسطينية ـ وللمطالبة باطلاق سراح المعتقلين الفلسطينين في السجون الاسرائيلية, فان عنفوان هذه الصدامات وروح التحدي المتعاظم التي تعكسها, وتصاعد ايقاعها, انما هو نتاج لتراكمات متنامية من الاحباط واليأس ثم الغضب منذ اعلان اتفاق اوسلو قبل سبع سنوات. في هذه الاجواء الساخنة يمكن لهذا الفوران الجماهيري ان يتفاقم اذا تسربت الى الشارع اخبار الانشقاق المفترض في صف القيادات الفلسطينية العليا, فسوف تستشعر جماهير الشارع المزيد من القوة المعنوية اذا عرفت ان هناك من بين مساعدي الرئيس عرفات واخلص خلصائه من يعارضون نهج عقد الصفقات الرخيصة مع اسرائيل. هل يتطور هذا الفوران الجماهيري اذن الى مستوى انتفاضة شاملة على غرار انتفاضة الثمانينيات؟ هذا سؤال لا يمكن الاجابة عليه الا بتساؤل: هل هذا الفوران الجماهيري منظم بواسطة قيادة موحدة لديها خطة مسبقة ام انه مجرد غضبة عفوية قابلة للانحسار والزوال؟