..(ولأن محبوب الحق كان ينتمي الى مجتمع مسلم والى بلد يواجه تحديات التخلف ويحاول جاهدا أن يلحق بمسيرة التنمية, فقد حق له أن يتصور إن التنمية أو نوعية الحياة لا تتوقف فحسب عند حجم الناتج الاقتصادي..) . (نوعية الحياة) ، أو مستوى جودة الحياة, مصطلح دخل الى أدبيات الفكر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على مستوى العالم كله في أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي. وكان القوم يستخدمونه في ذلك الحين (تأمل كيف أصبح هذا الحين بعيدا وكأنما بات ينتمي الى عهد سحيق!) بوصفه مؤشرا على يسر الحياة أو رغد المعيشة أو رفاهية الناس من مواطني هذا البلد أو ذاك. لم يكن لديهم في ذلك الحين السحيق كما أسلفنا سوى مؤشرات الناتج القومي الاجمالي أو الناتج المحلي الاجمالي للفرد كدلالة على مستوى الحياة أو الرفاه وكلها مؤشرات اقتصادية تستند الى مجاميع ومعدلات وتبادل وتوافيق ونسب مئوية من الأرقام الصماء كما قد نقول. وكم كان العلماء والمحللون يدركون بيقين كيف أن هذه المؤشرات الاقتصادية المادية البحتة قاصرة على الدلالة الفصيحة والفعالة حول نوعية الحياة لبلد من البلدان أو مجتمع من المجتمعات, الى أن شمر اقتصادي مسلم شاب عن ساعد الجد والعلم والمعرفة كي يقدم للعلم الاقتصادي الاجتماعي مقياسا جديدا ذاع صيته واتسع استخدامه منذ عام 1991 على وجه التحديد. فاما الباحث الشاب فاسمه البروفيسور (محبوب الحق) وأظنه من بنجلاديش وقد انتقل الى رحمة مولاه منذ فترة قريبة مأسوفا عليه بغير شك من جانب زملائه الذين رافقوا مسيرة اجتهاده العلمي وخاصة في دوائر برنامج الأمم المتحدة الانمائي ولعله أهم وكالة تابعة للمنظمة الدولية معنية بالتنمية من شتى جوانبها. وأما المؤشر الذي اهتدى اليه البروفيسور محبوب الحق عليه رحمة الله فهو: * مؤشر أو مقياس التنمية البشرية. مسلم من بنغلاديش ولأن محبوب الحق كان ينتمي الى مجتمع مسلم والى بلد يواجه تحديات التخلف ويحاول جاهدا أن يلحق بمسيرة التنمية, فقد حق له أن يتصور بداية أن التنمية أو نوعية الحياة لاتتوقف فحسب عند حجم الناتج الاقتصادي بقدر ما أن عائدها لابد أن ينعكس سلبا أو ايجابا على الانسان ذاته وهو مناط التنمية وهدفها الأساسي.. وهذا الانعكاس لابد أن يتجلى بدوره في مؤشرات التعليم والصحة وطول الأجل المتوقع للحياة ومعدلات وفيات الأطفال الرضع ومستوى تعليم الكبار (محو الأمية الوظيفي وما يرتبه من وعي جماهيري قاعدي بفضل الالمام بالقراءة والكتابة) ومن الطبيعي أن تدخل مع هذه المؤشرات والمعدلات, مؤشرات ومعدلات أخرى مستقاة هذه المرة من واقع الاداء الاقتصادي للبلد المعني ومن خلال هذه التركيبة أو هذه الحزمة بتعبير محبوب الحق نفسه.. يصبح أمام الباحث أو المحلل المؤشر أو الرقم القياسي أو دليل التنمية البشرية الذي يستند اليه التقرير الصادر كل عام عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي ليصبح بعد صدوره محل اهتمام دوائر شتى سياسية واقتصادية واجتماعية على الصعد المحلية أو الاقليمية أو الدولية. وها هي مؤسسة الايكونومست التي نحيل اليها في هذا المبحث (بالذات الى مطبوعتها المعنونة (عالم سنة 2000) بالأرقام) تفرد صفحة كاملة من المطبوعة المذكورة 240 صفحة تحت العنوان الجوهري الذي بدأنا به هذه السطور: * نوعية الحياة وتحت هذا العنوان يطالعنا جدول مبسط ولكنه في غاية الأهمية يتبع مقياسا أو تدريجا من الصفر الى رقم مئة وهو تدريج تنازلي إن شئت التعبير يشمل 80 بلدا عند قمته الأقطار التي تكون قد حظيت أو أحرزت نسبة 80 في المئة من التنمية البشرية فما فوق ومن ثم فهي تعد الأفضل من حيث نوعية الحياة في عالمنا الراهن والأفكار التي تتراوح حظوظها بين 50 درجة الى 79 درجة على هذا المقياس تعد في الفئة المتوسطة من حيث نوعية الحياة (الفئة الطافية على حد تعبير المفكر المصري الدكتور رشدي سعيد) في حين أن الأفكار التي تربو درجاتها أو نسبتها على الخمسين فهي الفئة الواقعة في مستوى منخفض من حيث نوعية الحياة (الفئة الغاطسة إن صح أيضا التعبير المنسوب الى صديقنا الدكتور رشدي سعيد). قراءت في جدول النوعية تعال إذن نستقرىء جدول نوعية الحياة حسب المفاهيم التي بسطناها بايجاز نرجو ألا يكون مبتسرا وأن نتعرف من الجدول وبصورة موضوعية إلى أحوال أقطار عالمنا الراهن المعمور ونقول بصورة موضوعية بمعنى أن لا مجال للعواطف او المجاملات اليعربية المعتادة من جهة, فضلا عن أن العهدة على الراوي كما يقولون حيث الراوي هنا مؤسستان لهما موثوقية محترمة في الوسط الدولي أولاهما برنامج الأمم المتحدة الانمائي والثانية مؤسسة مجلة (الايكونومست) البريطانية. على خلاف التصور الشائع أو المتوقع, فان أمريكا ليست هي البلد رقم واحد من حيث مستوى نوعية الحياة. كم صدعوا أدمغتنا في الميديا الدولية حول القطب الأمريكي المهيمن على أقدار العالم. لكن ها نحن نطالع اسم بلد آخر يتصدر قائمة أفضل نوعية للحياة بمعنى أفضل تعليم وتنوير وأذكى وعي بالحقوق والواجبات وأوفر صحة وعافية للرضع المولودين والكبار المخضرمين على السواء: هذا البلد هو: كندا.. الجارة الشمالية, كما تدري أنت ولاشك, للولايات المتحدة ونسبة ما حققته هذه الجارة تبلغ 96 في المئة من مقياس أو مؤشر نوعية الحياة كما صاغه محبوب الحق ويليها فرنسا بنسبة 6.94 في المئة ومن بعدها النرويج بنسبة 3.94 في المئة. ثم يأتي دور أمريكا في المرتبة الرابعة ومن بعدها على التوالي كل من فنلندا وأيسلندا وهولندا والمعنى الذي يتبادر للذهن هنا هو أن شمال العالم.. شمال أوروبا وشمال أمريكا هو الفائز المتنعم والأوفر حظا من حيث نوعية الحياة.. وهو يشمل دولا وشعوبا تنتمي بشكل أو بآخر الى عالم الغرب.. لكن سرعان ما تأتي اليابان في المرتبة الثامنة لتكسر هذه القاعدة مؤكدة أن احتكار الغرب للعيش الصحي الرغيد يمكن أن ينكسر على يد شعب آسيوي لايكاد يمتلك من الموارد شيئا له قيمة, اللهم إلا مورد العمل البشري والابداع الانساني واتباع مبدأ ما أحرانا أن نعود اليه في عالمنا العربي الاسلامي وهو: * (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) . و.. سنغافورة أيضا وتعود قاعدة احتكار الغرب والشمال فتنكسر من جديد عندما يرد اسم سنغافورة الآسيوية في المرتبة 28 محققة نسبة محترمة تبلغ 6.89 في المئة على مقياس التنمية البشرية وإن كان ينغص على المحلل العربي أن يلمح قاعدة الاستيطان الاستعماري في اسرائيل وقد تنافست مع جزيرة قبرص المتوسطية على المرتبة رقم 22 وسط هذا التدرج وإن كانت الأسباب لاتخفى حيث تستأثر اسرائيل, كما هو معروف بكفاءات جاهزة مهاجرة من الاتحاد السوفييتي السابق ناهيك عن المساعدات والتبرعات السوبر الطائلة من أمريكا الحكومة واللوبي اليهودي والتعويضات. بعد ذلك لابد أن يثور السؤال البدهي: * وأين إذن بنو اليعاربة الميامين؟ ـ والجواب موجود ومثير حقا للاهتمام حيث تتصدر قائمة الدول العربية التي تتميز بنوعية جيدة للحياة كل من البحرين (2.87 في المئة) ودولة الامارات (5.85 في المئة) ولكل منهما المرتبة 41 والمرتبة 46 على التوالي وبعدهما في المرتبة 50 تأتي الكويت التي حققت نسبة 8.84 في المئة ثم قطر بنسبة 84 في المئة.. ولما كانت نسبة 80 في المئة هي الصراط المحوري أو الحد الفاصل بين دول النوعية المتوسطة (الطافية) وأقطار النوعية المنخفضة (الغاطسة) يصبح من الأهمية أن تأتي على ذكر بلدين عربيين تقفان في صمود على مفترق الطرق المذكورة.. أولهما ليبيا (6.80 في المئة) والثاني لبنان (6.79 في المئة) ومن عجب أن كلا منهما بلد عربي عاني الكثير لأسباب داخلية وخارجية حيث عانت ليبيا من الحصار الذي فرضته عليها الولايات المتحدة وحليفاتها في الغرب فيما عاني لبنان, ولعله لايزال يعاني, من تركيبة سلبية نالت من حيويته التقليدية ما بين عقابيل الحرب الأهلية الى آثار الاجتياح ثم الاحتلال الاسرائيلي, ومع ذلك فقد شق هذان القطران العربيان طريقهما وسط الصعوبات والتحديات الى نقطة الوسط أو نقطة الأمان النسبي على مقياس التنمية البشرية ومسبار نوعية الحياة. من المنظور الغربي ولأننا نطل على مثل هذه الحقائق أو المعطيات والطروحات من المنظور الغربي القوي.. يجوز لنا أن ندون فيما يلي بعض المؤشرات والبيانات التي تفيد في معرفة أحوال (البيت العربي الكبير) على نحو ما أوردته احصائيات الايكونومست ومن ذلك مثلا: * ثمة دولتان عربيتان حققتا مكانة بين أسرع الاقتصادات نموا في العالم في عقد الثمانينيات الماضي هما عمان (3.8 في المئة زيادة في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي) ومصر (5 في المئة زيادة في الناتج المذكور) وفي عقد التسعينيات نجد أمامنا السودان (2.7 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي) وسورية (2.6 في المئة) ثم الأردن ( 7.5). * في مجال أكبر الدول التي حققت فوائض في اطار الاقتصاد العالمي تورد الايكونومست قائمة مرموقة حقا تتألف من 40 دولة جاء على رأسها اليابان محتلة المرتبة رقم واحد ويليها كل من فرنسا وايطاليا ثم الصين (تأمل!) ولكن هانحن نطالع الكويت الشقيقة في المرتبة رقم 11 ونطالع الامارات العربية في المرتبة رقم 15 فيما تحتل الجزائر المرتبة رقم 17. * أما أكبر الاقتصادات التي تواجه أفدح حالات العجز في الميزانية على مستوى العالم فقد عمدت الايكونومست الى ترتيبها بدورها في قائمة قوامها 40 دولة وجاء على رأسها, ولا غرو, الولايات المتحدة بجلالة قدرها بوصفها أكبر دولة تعاني أفدح عجز في الميزانية القومية وحجم العجز رقم فلكي رهيب يبلغ أكثر من 100 مليار دولار وها هي اسرائيل تحتل الموقع رقم 13 في دول العجز الفادح ولأن للأقدار تصاريف عجيبة وأحوالا غريبة فإن أقل الكيانات السياسية معاناة للعجز هو الضفة الغربية وقطاع غزة (لم تقل الايكونومست أنها أراضي السلطة الفلسطينية) وتعاني عجزا بقيمة 897 مليون دولار ونحسب أن أسبابه مفهومة وليس أقلها اغتصاب الموارد الحيوية وفي مقدمتها مصادر المياه ولا اجراءات (إغلاق الأراضي) حسب المصطلح الاسرائيلي لحرمان العمال العرب من فرص كسب الرزق لفترات طويلة. * من ألطاف الله أن قائمة أشد الاقتصادات معاناة لآفة التضخم الاقتصادي والمالي في العالم لاتكاد تضم أقطارا عربية كثيرة اللهم إلا السودان عن عقد التسعينيات حسب الرقم القياسي لأسعار المستهلكين.. والقائمة العاثرة الحظ تبدأ بالكونغو بوصفها أشد الأقطار اصابة بالتضخم ويأتي السودان في الموقع رقم 21 فيما يلاحظ أن قائمة المتضخمين (تضم كثرة من الأقطار التي كانت واقعة في السابق تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي الذي كان ومنها مثلا تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان وقيرغيستان وكلها دول اسلامية كما ترى وإن كان يرافقها في نفس المشكلة كل من روسيا وأرمينيا وبيلا روس (روسيا البيضاء) وأوكرانيا وكلها تحمل صفة السوفييتية سابقا. والى المبحث الأخير إن شاء الله