ما هو احتمال نجاح المعارضة العراقية في اسقاط نظام الرئيس صدام حسين؟ عندما طرحت هذه المسألة كمحور للنقاش في ندوة (مستقبل العلاقات بين الكويت والعراق) التي اختتمت هذا الاسبوع في الكويت ، كانت الاجابة التي تفضل بها احد اقطاب المعارضة العراقية المشاركين في الندوة غريبة. وهذا هو اقل ما يمكن ان توصف به تلك الاجابة. فقد قال محمد بحر العلوم بلهجة اعتذارية ان الولايات المتحدة (لم تلتزم بما تعهدت به في ازالة النظام العراقي رغم انها وجهت الينا دعوات للاجتماع في واشنطن) والتوقف عند هذه الاجابة يكشف نقطتين متصلتين عضويا: اولا: ان قادة المعارضة العراقية بفصائلها المختلفة ترى ان قاعدة انطلاقها ضد النظام الحاكم تقع في الخارج وليس في الداخل. ثانياً: ان الدور الاساسي في عملية محاولة اسقاط النظام هو من نصيب الدول الخارجية الراعية للمعارضة, وبالتالي يتضاءل دور فصائل المعارضة العراقية نفسها الى ادنى مستوى من الضآلة بحيث يكاد يكون هامشيا وشكليا تماما. هذان العنصران اذ ينطبقان على المعارضة العراقية, فانها في الحقيقة ينسحبان على معظم المعارضات العربية في هذا العصر. فقد صارت ممارسة المعارضة من الخارج مع الاعتماد على قوة عظمى خارجية (موضة) تمثل نقيضاً تاما لمعارضات الماضي. فماذا جرى؟ خلال النصف الاول من القرن العشرين عندما كانت غالبية البلدان العربية خاضعة للاستعمار الاوروبي كان العمل السياسي السلمي في الداخل هو الطابع المميز لمنظمات المعارضة. فقد كان هناك في عهود تلك الادارات الاستعمارية حدود ادنى (متفاوتة من بلد عربي لآخر) من حريات التعبير والتنظيم وسيادة القانون, مما كان يسمح للقادة والزعماء بتكوين احزاب وتنظيمات لممارسة العمل السياسي المعارض بوسائل امتلاك الصحف والتظاهر والاضراب وعقد الاجتماعات الجماهيرية الخطابية. ومع حلول عقد الخمسينيات وبدايات الاستقلال الوطني اختلف الامر. فقد بدأ عهد التغيير السياسي عن طريق الانقلابات العسكرية. كانت التجربة الاولى قد قامت في سوريا قبيل حلول منتصف القرن. وفي عقدي الخمسينيات والستينيات توالت التجارب الانقلابية. كان ذلك ايذاناً بنهاية العمل السياسي السلمي في الداخل كوسيلة للمعارضة مع تطور اجهزة القمع السلطوي. ومع استمرار حال الانقلابات والانقلابات المضادة تحت شعارات ايديولوجية متنوعة ومتعارضة كان قمع الدولة يفضي في كل حالة الى تصفية دموية شاملة للمنظمات المعارضة. والآن وبعد خمسة عقود من نموذج الحكم الانقلابي القهري بات من الصعب الى درجة الاستحالة في بعض الحالات اسقاط نظام حاكم دون تدبير انقلابي مضاد بالاعتماد على الجيش. ومع حرص الانظمة القهرية على تنظيف الجيش بصورة منتظمة لا تتوقف من العناصر التي يشتبه في انها مناوئة صارت الاستحالة مضاعفة. ان مثل هذه الاوضاع يمكن ان تصيب بالاحباط الكامل واستشعار اليأس القاتل, القادة المعارضين والمدنيين من كل لون سياسي. وفي تقديري انه مع تعاظم هذا الاحباط واليأس وانتشارهما برزت ظاهرة المعارضة من الخارج, اي من موقع امين خارج الحدود وبعيداً عن يد النظام الباطشة. ومع فقدان قادة المعارضة الخارجية التواصل مع جماهير الداخل فانه بطبيعة الحال تنشأ الحاجة الى قوة مساندة خارجية. غير ان قوانين وقواعد التعامل في الساحة الدولية ليست قوانين وقواعد المؤسسات الخيرية, ولذا يجد قادة المعارضة الخارجية انفسهم مضطرين للخضوع لاجندة القوة الخارجية المساندة. ومع مرور الزمن يستمرىء هؤلاء القادة عادة الاعتماد الكامل على القوة الخارجية. ومن نفسهم ذلك القول الاعتذاري الصادر عن القطب العراقي المعارض حين ارجع فشل المفاوضة العراقية في اسقاط نظام الرئيس صدام حسين الى عدم وفاء امريكا بالتزاماتها... وكأن واشنطن صارت هي المعارضة العراقية.