يبدو انه لا يوجد مكان للعقل أو المنطق في الحرب الدائرة هذه الأيام بين اثيوبيا واريتريا, فالفصل الجديد الذي دخل يومه السادس يبدو أكثر شراسة ودموية مما كان عليه قبل عشرة أشهر. لم تكد تمضي أسابيع قليلة على اجتماع الجزائر الشهر الماضي، حيث جلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات حتى علا صوت السلاح مجددا ليعلن فشل جهود الوساطة وتفضيل اللجوء للحرب التي حصدت أرواح الآلاف حسب بيانات ما يمكن تسميته بأوهام النصر المتبادلة التي يتبارى البلدان في اعلانها. ومع اعلان اثيوبيا أمس توغلها في الأراضي الاريترية ورفضها قبل ذلك القبول بوقف مؤقت لتبادل اطلاق النار تزداد الأزمة تعقيدا على تعقي, لا سيما مع فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار يحظر تصدير السلاح إلى أي من الطرفين, الأمر الذي يؤكد ان التصعيد العسكري لن يتوقف في الأجل المنظور على الأقل حاملا في طياته المزيد من الخراب والدماء والثارات.. إلى آخر الآثار الكئيبة للحرب البغيضة. ومن المفارقات التي تدعو للحزن والأسف بل العجب في آن واحد ان مشهد هذه الحرب البائسة جاء ليصرف الأنظار عن مشهد المجاعة الأكثر بؤسا والناتجة عن الجفاف الذي شهدته المنطقة. فهل يراجع المسئولون عن الأمر في اديس ابابا وأسمرا أنفسهم؟ وهل يغالبون شهوة الحرب للحرب, وأوهام النصر الزائف؟ ثمة ما يجمع البلدين الجارين التوأمين, وما يجمع أكثر مما يفرق, والمأمول من القيادة السياسية في البلدين تغليب مصلحة شعبيهما بعيدا عن أية حسابات قصيرة الأجل لهذا النظام السياسي أو ذاك, وتجنيب بلديهما دمارا لن يتم استعادة بنائه بسهولة, فالأولى أن ينفق هذان البلدان الجاران على الخبز لاطعام الجوعى وما أكثرهم قبل اهدار مواردهما المحدودة على شراء آلة الدمار. والبلدان مدعوان إلى الاسراع بوقف اطلاق النار وقفا نهائيا والجلوس إلى طاولة المفاوضات لوضع حد للصراع باجتثاث جذوره, لان اهمال ذلك يعني المزيد من التوتر في القرن الافريقي ورفع حدة حالة الاستقطاب بما يدفع بالتدخل الخارجي في المنطقة هي في غنى عنه.