في الطريق إليه كانت الذكريات تزدحم, وكانت الأسئلة الحائرة أكثر من أن تحصى, وكانت الدراما التي عاشتها أجيال عربية عبر عشرات السنين تسيطر على النفس والعقل معا.. فالجرح مازال مفتوحا وأظنه سيبقى كذلك طويلا, والطريق الذي قطعناه من اليأس الى الأمل ذات يوم يكاد يعود بنا الى نقطة البداية. كنت في الطريق الى جورج حبش الذي جاء للقاهرة بعد أن كتب كلمة النهاية بالنسبة لموقعه كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. استقال الرجل في الوقت الذي بدأ فيه رفاقه في الجبهة نهجا جديدا يشاركون به في عملية التسوية التي تتم في المنطقة, وقيل ان الاستقالة لأسباب صحية.. فهل هي كذلك؟ أم أن الرؤية اختلفت بين الرفاق, والطرق تقاطعت؟ وهل يعني ذلك نهاية الطريق للرجل أو للتنظيم أو للقضية ذاتها؟ الأسئلة كثيرة, ولكن الأكيد أن الأيام تغيرت والظروف تبدلت, ومرحلة من التاريخ توشك على الانتهاء ومرحلة جديدة تبدأ. فهل انتهى زمن (الحكيم) الى غير رجعة, وجاء الزمان الآخر برجاله ومواقفه ومساوماته؟ هل وصلت المقاومة إلى نهاية الطريق وانفتح الباب لـ(سلام الشجعان) .. أم أن السلام الاسرائيلي الذي يتم فرضه الآن سيفجر طاقات المقاومة من جديد لتعود أشد وأعنف وأكثر رشدا مما سبق؟ وهل طبيعة الصراع مع الصهيونية تسمح بهذه النهاية المقترحة أم أن نهايات أخرى مازالت مطروحة رغم الهزائم والإحباطات؟ مكان اللقاء نفسه يحمل الكثير من المعاني والإيحاءات. الحكيم في القاهرة لم يكتف بمقابلات رسمية أو شبه رسمية, بل حرص على أن يعيش حالة قاهرية صميمة, وها هو في قلب أحد الأحياء الشعبية العريقة, وفي منزل صديق عزيز, ومع صحبة تحمل الهم العربي وتتمسك بالأمل رغم قسوة الظروف. وبالطبع يحكي (الحكيم) في البداية ظروف استقالته.. قال إنه كان يفكر في ترك موقعه كأمين عام للجبهة منذ أكثر من عشر سنوات. كان يريد (منذ أواخر الثمانينيات) أن يقدم كما يقول نموذجا بأن المناضل يستطيع أن يستمر في العمل والعطاء بدون مواقع قيادية رسمية. كما انه كان يريد أن يكون مثلا مخالفا للحالة العربية والفلسطينية التي يثبت فيها المسئولون في مواقعهم الى الأبد. سبب آخر يوضحه الحكيم لتخليه عن موقعه القيادي وهو اعتقاده بأن أفضل شئ يفعله في ضوء الوضع العام الفلسطيني أن يكرس السنوات المتبقية من عمره في مهمات وطنية وقومية أخرى دون أن يعني ذلك أنه سيترك الجبهة أو سيطلق السياسة. يقول الحكيم إنه يريد أن يوجه جهده في المرحلة المقبلة الى ثلاث مهمات أساسية: توثيق تجربة حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتجربته الشخصية لتكون أمام الأجيال المقبلة. ويؤكد هنا (لدي ما أقوله وبإمكاني قوله بصورة أفضل وأنا متحرر من قيود المناصب القيادية) . المهمة الثانية التي يحددها الحكيم هي تأسيس مركز للدراسات يتخصص في دراسة التجارب الوطنية الفلسطينية والقومية السابقة, مع التركيز على أسباب الفشل العربي وعوامل استمرار الحركة الصهيونية ونجاحها على الجانب المقابل. والمهمة الثالثة التي يحددها الحكيم لنفسه في المرحلة المقبلة هي محاولة اقامة نواة لجبهة عربية قوية تواجه المشروع الصهيوني الأمريكي مع التركيز على مقاومة التطبيع بما يمثله من أهمية في التخطيط الاسرائيلي لاختراق العمق العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا. ولم تكن هناك حاجة لسؤال الحكيم عن صحة ما أعلن أن تخليه عن موقعه كان لأسباب صحية, فالرجل رغم أعباء السنين والمرض القديم يبدو في حالة طيبة, وهو قد أجاب عن ذلك في خطابه للمؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية حين أكد أن (الوضع الصحي لم يحل يوما دون قدرتي على قيادة الجبهة الشعبية.. وأن مقياس الصحة بالنسبة لي هو القدرة على اداء الواجبات والمهام المطلوبة مني كأمين عام) . ويبقى السؤال: تفكيرك في التنحي منذ عشر سنوات شئ. وتخليك عن موقعك الآن وفي هذه الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية والجبهة الشعبية شئ آخر؟ ويقر (الحكيم) بأن خلافاً على النهج الجديد للجبهة قد وقع. وأنه كان سيترك موقعه قبل شهور من الآن ومع بداية التوجه نحو المشاركة في عملية التسوية, ولكن الرفاق في الجبهة أثنوه حتى لا تتأزم الأمور داخل الجبهة. والمهم هنا أنك تشعر أن الرجل غير آسف على ترك موقعه في هذه الظروف (أو هكذا يبدو الأمر) ولكنه آسف لأنه بقي في موقعه في الشهور الأخيرة مما أثار الالتباس عند الكثيرين. ويلخص الحكيم رؤيته للوضع الراهن عربيا وفلسطينيا بأن في الساحة خندقين واضحين.. خندق أمريكا الذي يضم القوى الامبريالية والصهيونية واسرائيل, وخندق الصمود والمقاومة الذي يعبر عن المصالح القومية والوطنية والذي يعاني الآن من الضعف والارتباك لكنها في رأيه حالة مؤقتة. ويرى الحكيم أن القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية قد انضمت للخندق الأول حيث تتهافت لتحقيق أية منجزات في ظل قيادتها ولو كانت شظايا دولة وهمية مع بعض الشكليات مثل حرس الشرف والبساط الأحمر. وهي دولة يرى الحكيم أن ثمنها سيكون باهظا لأنه سيكون التنازل عن أجزاء واسعة من الضفة وغزة بما في ذلك القدس, ومقابل التخلي عن حقوق أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات, ولن تكون الدولة في النهاية إلا دولة كاريكاتورية لاتملك الحقوق الحقيقية للسيادة الوطنية. وهو يرفض هذا الحل, ويؤمن أن الهدف الحقيقي للنضال الفلسطيني ينبغي أن يكون بناء الدولة الديمقراطية العلمانية على كل أرض فلسطين كجزء من مشروع بناء المجتمع العربي الذي يقدم الحل الانساني الحقيقي للمسألة اليهودية. ويرى الحكيم أن الأمر هنا لايتوقف على براعة المفاوضين أو المناورات السياسية الساذجة بل على موازين القوى المختلة لصالح اسرائيل, وما يجري الآن ستكون له أفدح العواقب لأن هدف التسوية الجارية هو تدمير الأهداف الوطنية لا تحقيقها. ولكن قطار التسوية يمشي يا حكيم. والرفاق حتى الرفاق يلتحقون به, فما العمل؟ لابد من ترجمة الرفض الشعبي لما يجري الى موقف سياسي واضح حيال القيادة اليمينية لايسمح بتمرير المخطط الأمريكي الذي يدمر الأهداف الوطنية الفلسطينية, مع ترك الباب مفتوحا لأي نضالات مشتركة تخدم المشروع التحرري الحقيقي. إن إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية هي مهمة أساسية لابد منها, على أن تكون هذه الوحدة سلاحا في وجه التسوية المطروحة. وفي الوقت نفسه فلابد من الاستمرار بالتحريض الشعبي وتعبئة الجماهير لمواصلة المشروع التحرري, مع الاقرار بأن الحل العسكري لم يعد مطروحا الآن, وأن نموذج الانتفاضة هو الأقدر على أن يكون أداة النضال الأساسية للجماهير الفلسطينية. كما كان الحال قبل (أوسلو) . ولا يفصل الحكيم بين نضال الشعب الفلسطيني وبين ما يحدث على الساحة العربية. فالطرف الآخر يعرف هذه الرابطة جيدا ويتعامل معها بفهم, والجهود ستتواصل لفرض الشرق أوسطية واقامة علاقات قائمة على نهب الثروات وفرض التبعية, خاصة بين اسرائيل بإمكاناتها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية, وبين الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية.. حيث تتطلع الأولى لمزيد من النهب والتوسع والسيطرة الاقتصادية.. ناهيكم عن اتمام التطبيع الاستسلامي الذي يرى في اسرائيل جارا طيبا وفي أمريكا صديقا للعرب, وفي التوسعية الاسرائيلية علاقات تجارية. ويستمر الحوار, ولا يتسع الوقت للكثير مما ينبغي مناقشته, ولكن سؤالا كبيرا يطرح نفسه وهو: لماذا الفشل العربي في مواجهة المشروع الصهيوني؟ ولا يتردد (الحكيم) في الاجابة التي تحمل الكثير من النقد الذاتي, فيشير الى عاملين أساسيين: غياب الديمقراطية داخل منظماتنا ومجتمعاتنا. وعدم الدراسة الكافية للعدو, وهو الأمر الذي لم يمكنّا من كشف نقاط ضعفه وقوته والتعامل معها. ولا يتسع الوقت للدخول في التفاصيل. ولكن (الحكيم) في كلمته الأخيرة لرفاقه في الجبهة الشعبية يضع بعض النقاط على بعض الحروف, فيقول: (بنظرة الى تجربة الماضي, ورغم كل التضحيات والانجازات التي راكمناها, وهي ليست قليلة, إلا أنها تجربة تميزت بتغليب الشعا رات والعاطفة في مفاصل ومواقف كثيرة. هذه الشعارات رغم صحتها ومشروعيتها إلا أنها لم تقترن بشرط نجاحها وتحقيقها ألا وهو الاداة الحاملة لهذه الشعارات والساعية لتحقيقها. ومعروف علميا أن الشعارات والأهداف الاستراتيجية لوحدها غير كافية لادارة الصراع وتحقيق الانتصارات. بل إن ذلك يشترط تكثيف استخدام العقل والفكر في تحليل حقائق وحركة الواقع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, وبما يشمل ليس فقط الذات كشعب وكأحزاب, وإنما أيضا متابعة للمتغيرات التي يعيشها الطرف النقيض لمعرفة أسباب وعناصر قوته وانتصاراته وعناصر ضعفه) . وينتهي اللقاء ومازالت الأسئلة أكثر من الاجابات.. وفي طريق العودة كانت حالة من الأسى والأمل معا تجتاح النفس, فالطريق طويل, والهزيمة لايمكن أن تدوم. وأفتح راديو السيارة فتتوالى الأنباء تعكس بؤس الواقع العربي.. كانت اسرائيل تستعد للاحتفال بعيد تأسيسها الثاني والخمسين وقد حققت مالم يكن يتوقعه أحد, وباراك يعلن أنها أصبحت أقوى دولة في الشرق الأوسط.. وستظل كذلك. وكان عرفات يواصل تصريحاته عن انتظار (الفرج) الأمريكي لتتحرك الأمور, وكانت مظاهرات الشباب الفلسطيني تندلع من أجل تحرير الأسرى, وكان الحديث عن تحرير القدس يتواضع ليصبح حديثا عن تحرير (أبوديس) , وكان المهاجر اليهودي الروسي رقم مليون يصل الى أرض فلسطين.. والحديث يبدأ عن مليون آخر تنتظره اسرائيل من روسيا. ورغم كل ذلك لم تكن الصورة كلها سوداء.. فرغم بؤس الواقع العربي كان لبنان يتأكد انتصاره, وكانت كل محاولات اسرائيل لإنكار الهزيمة تفشل لتبقى الحقيقة البسيطة الرائعة: أن المقاومة الوطنية اللبنانية قد استطاعت أن تحقق المعجزة وأن تثبت لـ(الآخرين) أن طريق التنازلات لا يؤدي الى شئ, وأن القوة وحدها هي القادرة على استرداد الحقوق, وأنه لايضيع حق وراءه محارب, وأن البندقية لاينبغي أن تسكت قبل تحقيق الهدف.. وأن السلام لا يأتي بالتسول بل بتعديل موازين القوى مهما كانت التضحيات. لم تكن الصورة كلها سوداء.. درس المقاومة الوطنية في لبنان يقول ذلك. وموقف الشعب العربي في كل أقطاره الرافض للتطبيع رغم كل الضغوط والاغراءات يقول ذلك. واستحالة أن يتخلص المشروع الصهيوني من صهيونيته يقول ذلك, واستحالة أن تكون التسويات الظالمة طريقا لسلام يدوم تقول ذلك. وفي هذا السياق يبدو ما يقوله جورج حبش الآن في حاجة لنقاش طويل, ليس فقط من أجل تحديد المسئولية عما حدث ورصد أسباب الفشل. ولكن قبل ذلك وبعده من أجل الوصول الى نقطة بداية جديدة تتلافى أخطاء الماضي وتعالج بؤس الواقع, وتستعد لمواجهات المستقبل.