تطالعك في جريدة الصباح اسعار العملات مقابل الدولار ولا تكاد تصدق ان العملة الاوروبية الموحدة/ اليورو تساوي اقل من دولار ـ 83 سنتا ـ اي أنها فقدت خمس قيمتها امام الورقة الخضراء في ظرف ثلاثة اسهم وكانت تفوقه قليلا في اواخر العام 99. وبالطبع فإن الدولار ارتفع على بقية العملات الاوروبية الوطنية كالجنية الاسترليني والفرنك الفرنسي والفرنك السويسري والمارك الالماني. وقد خلص وزراء المالية في الاتحاد الاوروبي الى القول يوم الاثنين 8 مايو الجاري بأن هذه الظاهرة لا تدل على ضعف اداء الاقتصاد الاوروبي عامة ولا الاقتصادات الوطنية الاوروبية. بل ان بعض الخبراء ذهب الى العكس مؤكدا ان عمليات شراء اليورو بسبب انخفاض قيمته ستزيد من قوة الاقتصاد الاوروبي وتمنحه قدرة على مزاحمة الاقتصاد الامريكي. لا شك في ان ارتفاع الدولار سوف لن يعود بالنماء والتطور والتوسع على الاقتصاد الامريكي لكنه ارتفاع (سياسي) او (استراتيجي) يحول العملة الامريكية الى ثعبان مهمته بلع وهضم العملات الاوروبية والسؤال هو لماذا... وكيف؟ اما لماذا فإنه لم يغب عن فطنة الملاحظين والصديق ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق منهم, بل من اكثرهم التصاقا بهذه الشئون ـ لم يغب عن فطنتهم ان الاتحاد الاوروبي يسعى الى المزيد من الاستقلالية عما تسميه واشنطن (العقيدة الاطلسية) وجهازها العسكري, حلف شمال الاطلسي الناتو ـ وكثير من زعماء اوروبا ـ ومن بينهم خافيير سولانا مسئول الملفات الامنية الخارجية للاتحاد الاوروبي اصبحواز يعلنون بأن بناء اوروبا الموحدة لابد ان يمر عبر دفاع اوروبي موحد ومشترك يحقق للقارة العريقة استقلال قرارها في الحقل العسكري والمخابراتي, كما ان كثيرا من قادة اوروبا ـ وابرزهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك وريث السياسة الاوروبية للجنرال شارل ديجول ـ اصبحوا يعلنون ايمانهم بسياسة خارجية اوروبية فاعلة على المسرح الدولي بعد ان اثبت الاتحاد الاوروبي قدرته منذ عامين على اصدار عملته الموحدة اليورو التي هي رمز تضامنه الفعلي وقوته الاقتصادية في الاسواق التجاربة. وتبدو الحلقة الاضعف في سلسلة اوروبا هي حكومة توني بلير التي وإن ساندت قيام اوروبا قوية وعتيدة بدفاعها وبشئونها الخارجية المستقلة, فهي لا يمكن ان تتجاوز الخيارات الاستراتيجية لواشنطن بأي شكل من الاشكال. وموقف توني بلير كان دائما (توفيقيا) بين احترام تعهدات بريطانيا ازاء الاتحاد الاوروبي وبين الالتزامات الاطلسية للملكة تجاه امريكا... ولذلك صورته مجلة (الايكونوميست) في عددها 28/4/2000 كالبهلوان الذي يمشي على حبل ويحاول الا يسقط يمينا او شمالا. وفي هذا الظرف الذي يستعد فيه الاتحاد الاوروبي لتجسيد الارادة السياسية للخروج من تحت المظلة الامريكية بعد تخبط حلف الناتو في كوسوفو, يقوم الدولار ـ مدعوما لا بالبنك المركزي الامريكي فقط بل بالمؤسسات النقدية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ـ بهجوم مكثف وغير مفاجىء على العملات الاوروبية وعلى اليورو بالذات قاطعا الطريق امام بعض التوجهات الاوروبية الهادفة الى احلال اليورو محل الدولار في مبادلات اوروبا الخارجية. فواشنطن تسعى حسب تحليلي الى زعزعة ثقة غير الاوروبيين في اليورو: وحينما نقول غير الاوروبيين نحن لا نقصد الدول المتعاملة مع اوروبا فحسب بل وكذلك الشركات العابرة للقارات ـ امريكية اوروبية ويابانية ـ والبنوك الكبرى وشركات التأمين العملاقة ومؤسسات المعلوماتية متعددة الجنسيات اي شبكة الاقتصاد المعولم التي تحرك دواليب الحياة المعاصرة. ثم لا ننسى ما حدث اثناء ـ وقبل وبعد ـ مؤتمر سياتل للتجارة الدولية حين تزعمت فرنسا وبعض الدول الاوروبية حركة احتجاج واسعة وشعبية ضد امركة الاقتصاد العالمي بدءا برفض المنتجات المعدلة جينيا الى رفض الاحتكار وتسويق مناهج الاستهلاك الامريكي الى العالم كنموذج طاغ وفريد. كل هذه المواجهات يمكن ان تكون وراء تصاعد الدولار ـ بل اشتعال الدولار ـ بصورة مستمرة على حساب العملة الاوروبية التي لا تزال هلامية ولم تتجسد بعد في المعاملات النقدية والمصرفية... لكن يبدو انه في منطق الدولار: الوقاية خير من العلاج... او العصا لمن عصى.