قضيت بعضا من الاسبوع الماضي في الشارقة ضمن الايام الثقافية الكويتية هناك. وعندما تتاح الفرصة للقاء والحديث والمشاهدة يستطيع المراقب ان يخرج بمجموعة انطباعات حول الجهد الانساني المبذول في دولة الامارات العربية المتحدة وهو جهد يهدف الى الرفع من مستوى معيشة الانسان هناك. ربما تكون الامارات هي من آخر الدول الخليجية التي ظهر فيها النفط, وقد يكون لذلك بعد ايجابي, لأنها استطاعت ان تتعرف على التجارب السابقة وتسبر المعوقات التي واجهت شقيقاتها في الخليج من جراء استخراج النفط وتسويقه والاستفادة مما يدره من مال فوظفت بعضا منه باتجاه الثقافة التي لا يعرف فضلها على التنمية غير الخبير ببواطن الامور. ولكل امارة في دولة الامارات تجربتها الغنية والانسانية امارة الشارقة لها تجربة خاصة في التعليم والثقافة, ربما لانها من اسبق الامارات في تبني التعليم الحديث حتى عندما كانت الموارد شحيحة والايام صعبة. ولكن المؤكد ان عزيمة حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي كانت وراء الكثير من المنجزات التي تمت في هذه الامارة التي لفتت اليها الانظار اليوم. الانسان هو العنوان الواضح للخطط التي وضعت ونفذت في الشارقة ولأن الانسان هو الهدف من اي جهد تنموي فإن الوسيلة المثلى هي التعليم والثقافة. لقد بادر ابناء الشارقة في منتصف القرن العشرين الى البحث عن وسائل وسبل يمكنهم من خلالها مواكبة التعليم الحديث, بعد ان شاهدوا سبل التعليم متاحة لاخوانهم في بعض بلاد الخليج, كما سبقتهم البلاد العربية, فانتشروا على قلة, ولكن بتصميم لنيل بعض ما سبق لاخوانهم الحصول عليه. وقد بادرت الكويت, بفضل وعي متقدم من البناة المؤسسين بعد ان من الله عليها بنعمة النفط الى الاستثمار في هذا القطاع المهم والانساني فأسست مدارس عدة في امارة الشارقة وامارات عربية اخرى من اجل تقديم هذه الخدمة. ويذكر الشيخ سلطان في حديثه دائما تلك الكوكبة من الرعيل الاول الكويتي الذين بذلوا الجهد وتسلحوا بالتصميم انطلاقا من اخوة وطيدة لبدء التعليم الحديث والمنظم في الشارقة. وهذا التعليم وقع على ارض خصبة ومتعطشة فتوالت اعداد ابناء ثم بنات الشارقة الصاعدين على سلم التعليم في الزيادة والنمو, بعضهم سافر الى بلاد خارجية في طلب هذا الهدف السامي انتظارا لليوم الذي تتوافر له فيه سبل التعليم قريبا من مسكنه, ربما لا يعرف كم قاسى اباؤه للحصول على نصيبهم الانساني من هذا التعليم. الاقبال المتدفق على التعليم في الامارات, وخاصة من ابناء الشارقة شكل اللبنات الاولى للادارة العامة في الدولة الحديثة بعد سبعينيات القرن العشرين, بل اصبح هو العمود الفقري في سنوات التشكيل والبناء الذي تحول اليوم الى نهج تغلب عليه البيروقراطية ويحاط ـ شأنه شأن بلاد اخرى ـ بطوق من الروتين فهو ليس كذلك لدى حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي فقد عرف الرجل من خلال رؤيته الثقافية ان التعليم هو البدء وهو الوسيلة وهو التنمية الحقيقية فأخذ على عاتقه وضع سياسة تعليمية وثقافية بعيدة النظر. ولعل في سيرته الشخصية ما شجع على ذلك. فوالده رحمه الله كان اول من استقبل عبدالعزيز حسين برفقة عبدالله الصانع وكان الاخير صديقا له منذ ان استقر في الساحل عند زيارة الاستاذ عبدالعزيز للامارات في الخمسينيات للنظر لا في بدء النشاط التعليمي بل التعليم المنظم وسافر هو شخصيا لاكثر من بلد بحثا عن التعليم والاستزادة منه من الكويت الى القاهرة الى بريطانيا. ورغم مسئولياته الكبيرة بعد ذلك الا انه اندمج في هم اكبر بكثير مما شغل اقرانه واترابه هو هم ترقية التعليم والثقافة كرافعة حقيقية لكل ما عداها من جوانب المجتمع, فكان بمنزلة الاستاذ لجيل كامل من شباب الشارقة ومواطنيها. في الشارقة اليوم تجربتان تجذبان عين المتابع هما التعليم والثقافة, فمن الزاوية الاولى هناك جامعة الشارقة تحاذيها الجامعة الامريكية في الشارقة وهما جامعتان على مستوى متقدم من التعليم العالي سواء في المجال التخصصي او سوية العاملين فيها وبرامجها المنفذة والاخيرة متآخية مع جامعات امريكية تعترف بخريجيها وعلى المستوى التقني وهو مستقبل التعليم المهني تحظى الشارقة بمستوى من التعليم التقني الحديث في عدد من المعاهد. اما على مستوى التعليم الثانوي فقد زاوجت الشارقة وبمتابعة حثيثة من حاكمها المهتم بالتعليم بين المدارس النظامية وتعليم حديث مستمر حيث انشأت مدارس ثانوية نموذجية يحظى فيها الطالب بتعليم مستمر طوال اليوم تتخلله انشطة ثقافية ورياضية وفنية وهي تجربة تستحق ان ترصد ربما لتعميم نتائجها في مدارس كثيرة في الخليج لعلها تعالج المشكلات موضع الشكوى الدائمة التي نحسها جميعا من تدني مستوى التعليم الذي تشكو منه المؤسسات والمجتمع على حد سواء. التجرية الثانية التي اهتم بها الشيخ سلطان وهي التجربة التي تلفت النظر وتستحق الاشادة هي التجربة الثقافية وهي هنا في الشارقة تأخذ اتجاهين متضافرين: الاول البنية التحتية للثقافة التي تتمثل في انشاء المباني الجميلة والكبيرة التي تحتضن النشاطات الثقافية, ومنها على سبيل المثال لا الحصر مباني المتحف الفني, وهو بذاته بناء لافت للنظر ومبنى المكتبة الوطنية القريب من مباني الجامعة والتي يقدر ان تضم في جنباتها مليون كتاب ومباني المسارح الكبيرة المعدة ليقام على خشبتها النشاط الثقافي المتنوع بجانب العديد من المتاحف المختلفة التخصصيات. على الجانب الانتاجي فإن كل هذه البنى التحتية تشجع على انتاج ثقافي جدي يتعلق مباشرة بالاهتمام بالعمل الجمالي الذي هو صفة لصيقة بعملية التحضر والتقدم الانساني. ان اقسى ما يواجهه المثقف في الخليج هو غياب سياسة ثقافية منظمة تفضي الى تراكم كمي يقود بدوره الى تقدم تجربتنا الانسانية في ظل تنافس حضاري يسود العالم اليوم في وقت تتضاءل فيه بشكل متسارع الفروق الثقافية في كرتنا الارضية التي تجتاحها رياح العولمة العاتية. ويرجع كثير من المعوقات التي تحول دون تحقيق الاستراتيجية الثقافية الى عدم توافر الوعي او الفهم لاهمية الثقافة من جانبها الروحي والاخلاقي والتنموي لدى كثيرين من متخذي القرار في بلداننا وهنا تكمن اهمية وعي الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي, لأنه يدرك بوضوح اهمية الثقافة ودورها وان لم يدركها قطاع واسع ممن يقرأون ويكتبون ولعل من اسباب تقاعس الكثيرين عن تقديم الثقافة بوصفها مغذية للمقاومة قادرة على الاستيعاب مفسرة لحضارة الشعوب مرتقية بذوق الناس ومشيعة للتسامح والقيم الاساسية التي جاءت بها الرسالات السماوية وبعد ذلك كله قادرة على تنمية افضل واكثر رحابة, نقول ان من اسباب تقاعس الكثيرين عن ذلك جهل هؤلاء للمغزى الاجتماعي للثقافة. ذلك النقص الذي نشترك فيه جميعا غيب عن الكثيرين من شعوبنا اهمية العمل والفعل الثقافي في مسيرتنا التنموية والنضالية فبقيت الثقافة اما حبيسة جدران اربعة واما مصدر تندر بين غير العارفين بأهميتها فانصرف الناس عنها وتقوقعت بعيدا ومن ثم لم يعد للسياسيين اهتمام بها لانها لا تقوم بتلميع السياسي لدى قطاع واسع مهمل للثقافة جاهل بأهميتها. من هنا فإن الانتاج العربي المعاصر للثقافة هو في الغالب محلي غير منظم وغير معتنى به, وبالتالي فإن مساهماته العلنية اما سطحية واما غير موجودة وما هو ظاهر الى العالم من ثقافتنا قليل بل نادر في الوقت الذي تساهم فيه ثقافات اخرى اقربها الينا الايرانية الحديثة في ثقافة البشرية حيث تشق صناعة السينما الايرانية غبار العالمية والوجود على مساحة متسعة من رؤية العالم كما حدث اخيرا في مهرجان (كان) السينمائي. لقد حملت السينما الايرانية ومرة اخرى كمثال كل تطلعات وآمال الشعب الايراني الى العالم واشير ثانية الى وعي القيادات اذ لا انسى في زيارة لي الى ايران ضمن وفد ثقافي وفي لقاء مع ناطق نوري, وهو محسوب على المحافظين وكان وقتها رئيس البرلمان اي الرجل الثالث في الدولة وقبل ان يقربنا المقام في مجلسه قال: (ان فيلما واحدا جيدا خير من مئة خطيب مفوه!) . الوعي اذن بأهمية الثقافة ودورها البناء في المجتمع والأمة هو وعي متقدم وان كان هذا الوعي قد وصل الى قيادة لديها رؤية فإن مساهمة هذا الوعي هنا ليست مساهمة لبلد او قطر بل هي مساهمة وطنية وقومية في آن. لهذا كله فإن القيادة في بلدنا الشارقة لها من كل العارفين بفضل ما تقدمه في سبيل التنمية والثقافة معا, كل الامتنان. * أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت