معطيات الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات والمعلوماتية صارت لا تعد ولا تحصى, ولم يعد الواحد منا بحاجة لأي شكل من أشكال الاقناع أو الاقتناع أو الضغط أو التردد - إن شئتم - كي يلهث وراء هذه المعطيات أو يسعى جاهدا لاقتنائها, سواء كان بحاجة حقيقية إليها أم لم يكن. ونظرة سريعة إلى واقع حياة إنسان بسيط, موظف أو معلمة أو عاملة بدالة أو حتى سائق تاكسي أو طالب مدرسة, تعطينا دليلا واضحا على سقوط الجميع في فخ الدعاية التكنولوجية والتقليد اللا واعي, الذي حول الجميع إلى نسخ مكررة متشابهة في المسلكيات العامة والخاصة وكذلك في المظهر الخارجي والمقتنيات الشخصية. وسؤال قد يبدو مكررا ومعادا ومعروفا: ما حاجة الطالب إلى جهاز هاتف نقال؟ وما حاجة الموظف البسيط إلى هذا القدر المهول من اشتراكات القنوات المشفرة والانترنت والبليب والموبايل, في الوقت الذي يصرخ فيه كل دقيقة (جيبي خال والراتب لا يكفي حتى اليوم العاشر من الشهر) ! هل نستخدم مقتنيات تكنولوجية نحن في حاجة حقيقية إليها بالفعل؟ نترك الاجابة لكل اللاهثين وراء صرعات التكنولوجيا, وغير التكنولوجيا. أعرف موظفا - من ضمن عشرات غيره - يحمل معه جيئة وذهابا جهاز الكمبيوتر المحمول (نوت - بوك) مع انه يملك جهازا كامل التجهيز في مقر عمله! إذن لماذا هذا العذاب المضني في حمل الجهاز؟ أعتقد ان الأمر لا يخرج عن كونه شكلا آخر لتقليد سلوك متعارف عليه في أمريكا أو اليابان, لكننا يجب أن نعترف أيضا بأننا لا ندخل مؤسسات تعمل بطريقة مؤسسات الجماعة في أمريكا واليابان! وابن خلدون عالم الاجتماع المعروف في تاريخنا الإسلامي يقول: إن الضعيف أو المغلوب بشكل عام مدفوع بعدة عوامل لتقليد الأقوى والمنتصر, والتقليد هنا يشمل كل شيء ولذلك فنحن كشعوب عالمثالثية خرجت من اشكاليات عصور الاستعمار لتواجه مآزق مرحلة ما بعد التحرر والاستقلال, وبناء المجتمع والإنسان, اضافة لاختناقات التنمية والتحديث وبناء القواعد الاقتصادية والبنى التحتية و... إلخ, هذه الشعوب اندفعت في ظل غياب نماذج محلية في الواقع والتاريخ إلى تقليد الآخر, هذا الآخر الذي لم يكن سوى أمريكا وأوروبا واليابان, الأكثر قوة وانتصارا. واستمر التقليد, وتدرج من قمة الهرم السياسي الاقتصادي إلى كل القاعدة الاجتماعية, فصرنا لا نستغني عن الموبايل - مثلا - مع اننا لا نؤدي به عملا أو نتاجا نستطيع أن نعتد به على مدى أيام, سوى دفع المزيد من الفواتير لشركة اتصالات! والتقليد ليس في الموبايل فهذا مثل بسيط لكنه في أمور لو أحصيناها لتضاءلت حالتنا وصورتنا في مرآة الحقيقة, ولذلك فلن نحصي شيئا تاركين الجهد لكل قارئ.