علاقة العولمة بالهوية الثقافية: اصبح مفهوم (العولمة) اكثر المفاهيم المستخدمة تداولا في التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال سنوات التسعينيات من القرن العشرين بوصفها مخاضا للقرن الحادي والعشرين الموصوف حتى الآن بأنه سيكون قرن تكنولوجيا المعلومات. وليس البحث الحالي بحاجة الى نفض الغبار عن تلك التعريفات المتضاربة للعولمة فقد اشار متخصصون كثيرون الى انها تفتقر الى تعريف واضح محدد ولكن من الممكن الاستئناس بالتعريف الذي ارتضته اوروبا لهذا المفهوم حيث ورد في تقرير اللجنة الاوروبية على النحو التالي العولمة: يمكن ان تعرف بأنها العملية التي عن طريقها تصبح الاسواق والانتاج في الدول المختلفة تعتمد كل منها على الاخرى بشكل متزايد بسبب ديناميكيات التجارة في السلع والخدمات وتدفق رأس المال والتكنولوجيا وهي ليست ظاهرة جديدة ولكنها استمرار للتطورات التي تتابعت لفترة طويلة من الزمن. ويلاحظ على هذا التعريف انه ذو طابع اقتصادي بحت ومن ثم فإنه لم يقل كثيرا على ما يدل عليه ضمنا من حتمية ذوبان الهويات الوطنية في عمليات تدويل الاقتصاد. ويحدد المفكر العربي محمد عابد الجابري عشر اطروحات لعلاقة العولمة بالهوية الثقافية على النحو التالي: الاطروحة الاولى: ليست هناك ثقافة عالمية واحدة, بل ثقافات ويقصد بالثقافة هنا: ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والابداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية, تشكل امة او ما في معناها, بهويتها الحضارية, في اطار ماتعرفه من تطورات بفعل ديناميتها وقابليتها للتواصل والاخذ والعطاء. وبعبارة اخرى ان الثقافة هي المعبر الاصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الامم عن نظرة هذه الامة الى الكون والحياة والموت والانسان ومهامه وقدراته وحدوده, وما ينبغي ان يعمل وما لا ينبغي ان يأمل. تلزم عن هذا التعريف, لزوما ضروريا النتيجة التالية وهي تشكل قلب هذه الاطروحة وجوهرها وهي انه: ليست هناك ثقافة عالمية واحدة, وليس من المتحتمل ان توجد في يوم من الايام وانما وجدت وتوجد وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية او بتدخل ارادي من اهلها على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل الى الانغلاق والانكماش ومنها ما يسعى الى الانتشار والتوسع ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر. الاطروحة الثانية: الهوية الثقافية مستويات ثلاثة: فردية, وجمعوية, وطنية قومية, والعلاقة بين هذه المستويات تتحدد اساسا بنوع (الآخر) الذي تواجهه ان الهوية الثقافية كيان يصير يتطور وليست معطى جاهزا ونهائيا. هي تصير وتتطور اما في اتجاه الانكماش واما في اتجاه الانتشار وهي تغتني بتجارب اهلها ومعاناتهم وانتصاراتهم وتطلعاتهم وايضا باحتكاكها سلبا وايجابا مع الهويات الثقافية الاخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما. وهناك ثلاثة مستويات في الهوية الثقافية لشعب من الشعوب: الهوية الفردية والهوية الجمعوية والهوية الوطنية (او القومية) والعلاقة بين هذه المستويات ليست قارة ولا ثابتة بل هي في مد وجزر دائمين يتغير مدى كل منهما اتساعا وضيقا, بحسب الظروف وانواع الصراع واللاصراع والتضامن واللاتضامن, التي تحركها المصالح: المصالح الفردية والمصالح الجمعوية والمصالح الوطنية والقومية. الاطروحة الثالثة: لا تكتمل الهوية الثقافية الا اذا كانت مرجعيتها: جماع الوطن والامة والدولة لا تكتمل الهوية الثقافية ولا تبرز خصوصيتها الحضارية ولاتغدو هوية قادرة على نشدان العالمية, على الاخذ والعطاء, الا اذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والامة والدولة. الوطن: بوصفه (الارض والاموات) او الجغرافيا والتاريخ, وقد اصبحا كيانا روحيا واحدا, يعمر قلب كل مواطن: الجغرافيا وقد اصبحت معطى تاريخا والتاريخ وقد صار موقعا جغرافيا. الأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الارادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن, اعني الوفاء لـ (الارض والاموات) للتاريخ الذي ينجب والارض التي تستقبل وتحتضن. الدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والامة والجهاز الساهر على سلامتها ووحدتهما وحماية مصالحهما. وتمثيلهما ازاء الدول الاخرى, في زمن السلم كما في زمن الحرب ولابد من التمييز بين (الدولة) ككيان مشخص ومجرد في الوقت نفسه كيان يجسد وحدة الوطن والامة من جهة والحكومة او النظام السياسي الذي يمارس السلطة ويتحدث باسمها من جهة اخرى وواضح اننا نقصد هنا المعنى الاول. الاطروحة الرابعة: ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي, بل هي ايضا وبالدرجة الاولى ايديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة على العالم العولمة التي يجري الحديث عنها الآن: نظام او نسق ذو ابعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد, العولمة الآن نظام عالمي او يراد لها ان تكون كذلك يشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال... الخ كما يشمل ايضا مجال السياسة والفكر والايديولوجيا. والعولمة تعني ايديولوجيا التعبير بصورة مباشرة عن ارادة الهيمنة على العالم وامركته وقد حددت وسائلها لتحقيق ذلك في الامور التالية: 1) استعمال السوق العالمية اداة للاخلال بالتوازن في الدول القومية, في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية. 2) اتخاذ السوق والمنافسة التي تجري فيها مجالا لـ (بالمعنى الدارويني للكلمة, اي وفقا لنظرية داروين في (اصطفاء الانواع والبقاء للاصلح) وهذا يعني ان الدول والامم والشعوب التي لا تقدر على (المنافسة) سيكون مصيرها بل يجب ان يكون الانقراض. 3) اعطاء كل الاهمية والاولوية للاعلام لاحداث التغيرات على الصعيدين المحلي والعالمي باعتبار ان (الجيوبوليتيك) او السياسة منظورا اليها من زاوية الجغرافيا, وبالتالي الهيمنة العالمية, اصبحت تعني اليوم مراقبة (السلطة اللامادية) سلطة تقانة تكنولوجية الاعلام التي ترسم اليوم الحدود في (الفضاء السيبرنيتي) حدود المجال الاقتصادي السياسي التي ترسمها وسائل الاتصال الالكترونية المتطورة. وهكذا فبدلا من الحدود الثقافية, الوطنية والقومية, تطرح ايديولوجيا العولمة حدودا اخرى غير مرئية ترسمها الشبكات العالمية بقصد الهيمنة على الاقتصاد والاذواق والفكر والسلوك. الاطروحة الخامسة: العولمة شيء و(العالمية) شيء آخر, العالمية تفتح على العالم, على الثقافات الاخرى, واحتفاظ بالخلاف الايديولوجي, اما العولمة فهي نفي الآخر واحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي. العولمة ارادة للهيمنة, وبالتالي قمع واقصاء للخصوصي, اما العالمية فهي طموح الى الارتفاع بالخصوصية الى مستوى عالمي, العولمة احتواء للعالم, والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني. نشدان العالمية في المجال الثقافي, كما في غيره من المجالات, طموح مشروع ورغبة في الاخذ والعطاء في التعارف والحوار والتلاقح, انها طريق الانا للتعامل مع الآخر بوصفه (انا ثانية) طريقها الى جعل الايثار يحل محل الاثرة, اما العولمة فهي طموح, بل ارادة لاختراق (الآخر) وسلبه خصوصيته, وبالتالي نفيه من (العالم) العالمية اغناء للهوية الثقافية, اما العولمة في اختراق له وتمييع. والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد الغاء الصراع الايديولوجي صراع حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل, اما الاختراق الثقافي فيستهدف الاداة التي تم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع, يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم: الادراك الاطروحة السادسة: ثقافة الاختراق تقوم على جملة اوهام هدفها: التطبيع مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري ولا يعني حلول الاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي, كما يريد المبشرون بالعولمة ان يوهموا الناس, كلا ان الاختراق الثقافي, بالعكس من ذلك محمل بأيديولوجيا معينة, هي ايديولوجيا الاختراق, وهي تختلف عن الايديولوجيات المتصارعة, كالرأسمالية والاشتراكية, في كونها لا تقدم مشروعا للمستقبل, لا تقدم نفسها كخصم بديل آخر تسميه وتقاومه, وانما تعمل على اختراق الرغبة في البديل وشل نشدان التغيير لدى الافراد والجماعات. الاطروحة السابعة: نظام يعمل على افراغ الهوية الجماعية من كل محتوى, ويدفع الى التفتيت والتشتيت, ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة, أو يغرقهم في اتون الحرب الاهلية. ومع التطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري يأتي فقدان الشعور بالانتماء لوطن او امة او دولة, وبالتالي افراغ الهوية الثقافية من كل محتوى, ان العولمة عالم من دون دولة, من دون امة, من دون وطن, انه عالم المؤسسات والشبكات العالمية (عالم الفاعلين) وهم المسيرون و(المفعول فيهم) وهم المستهلكون للسلع والصور والمعلومات والحركات والسكنات التي تفرض عليهم, اما وطنهم فهو الفضاء المعلوماتي الذي تصنعه شبكات الاتصال, الفضاء الذي يحتوي ـ يسيطر ويوجه ـ الاقتصاد والسياسة والثقافة. العولمة نظام يقفز على الدولة والامة والوطن, نظام يريد رفع الحواجز والحدود امام الشبكات والمؤسسات والشركات المتعددة الجنسية, وبالتالي اذابة الدول الوطنية وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية, والعولمة تقوم على خصوصية, اي على نزع ملكية الوطن والامة والدولة ونقلها الى الخواص في الداخل والخارج, هكذا تتحول الدولة الى جهاز لا يملك ولا يراقب ولا يوجه, واضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لفائدة العولمة يؤديان حتما الى استيقاظ وايقاظ اطر للانتماء سابقة على الامة والدولة, اعني القبيلة والطائفة والجهة والتعصب المذهبي.. الخ والدفع بها جميعا الى التقاتل والتناحر والافناء المتبادل, الى تمزيق الهوية الثقافية الوطنية القومية.. الى الحرب الاهلية. ولابد من التأكيد هنا على ان مفهوم الهوية الثقافية القومية المقصود هنا بمعنى الهوية المشتركة لجميع ابناء الوطن العربي من المحيط الى الخليج, لا يعني قط الغاء ولا اقصاء الهويات الوطنية القطرية انه لا يعني فرض نمط ثقافي معين على الانماط الثقافية الاخرى, المتعددة والمعايشة, عبر تاريخنا المديد داخل الوطن العربي الكبير, كلا, ان التعدد الثقافي في الوطن العربي واقعه اساسية لا يجوز القفز عليها, بل بالعكس لابد من توظيفها بوعي في اغناء واخصاب الثقافة العربية القومية وتوسيع مجالها الحيوي. الاطروحة الثامنة: العولمة وتكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية ان الاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة لا يقف عند حدود تكريس الاستتباع الحضاري بوجه عام, بل انه سلاح خطير يكرس الثنائية والانشطار في الهوية الوطنية القومية, ليس الآن فقط, بل على مدة الاجيال الصاعدة والقادمة, ذلك ان الوسائل السمعية والبصرية المرئية واللامرئية التي تحمل هذا الاختراق وتكرسه انما تملكها وتستفيد منها فئة معينة هي النخبة العصرية وحواشيها, فهي التي تستطيع امتلاكها والتعامل مع لغاتها الاجنبية, بحكم التعليم العصري الذي تتلقاه امام عموم الشعب, وعلى رأسه النخبة التقليدية فهو في شبه عزلة يجتر بصورة او بأخرى ثقافة (الجمود على التقليد, والنتيجة استمرار اعادة انتاج متواصلة ومتعاظمة للثنائية نفسها, ثنائية التقليدي والعصري, ثنائية الاصالة والمعاصرة في الثقافة والفكر والسلوك. الاطروحة التاسعة: ان تجديد الثقافة, اية ثقافة, لا يمكن ان يتم إلا من داخلها: باعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها, والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل. الاطروحة العاشرة: ان حاجتنا الى الدفاع عن هويتنا الثقافية بمستوياتها الثلاثة, لا تقل عن حاجتها الى اكتساب الاسس والادوات التي لابد منها لدخول عصر العلم والتقانة, وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية. علاقة اللغة بالذاتية الثقافية: من الطبيعي ان تجرف موجات العولمة العاتية كل السابحين في تيارها ما لم يكونوا مسلحين بخصوصيات ثقافية قادرة على المقاومة والسباحة ضد التيار او على الاقل الى جانبه, واللغة هي وعاء الفكر ووسيلة التواصل بين المتحدثين بها ومن ثم فهي احد المضادات الحيوية للعولمة. ومن اصالة الهوية القومية قوة الاستمساك باللغة, فاللغة القومية كما يقول رايشمان مفهوم سك سكا اجتماعيا تاريخيا وهو يرجع الى وجود نظام لغوي شامل يمكن تسميته باللغة الموحدة, او اللغة المشتركة التي تدونها الجماعات الناطقة بها. ويشبه ماريو باي اللغة بأنواع النقود من حيث ان القيمة الحقيقية للنقود لا تكمن في ذاتها وانما تنتج قيمة النقود مما يضفيه عليها المجتمع الذي يتعامل بها, وهذا يعني, كما يقول د. رمضان عبدالتواب ان قيمة اللغة في تمسك اهلها بها, ورواجها بينهم, واحترامهم اياها. ويبذل مجمع اللغة العربية في مصر, مع المجامع اللغوية العربية الاخرى, جهودا كبير في الحث على احترام اللغة العربية وصيانتها من العبث بها, وتوصية الجامعات والمراكز والبحوث والمؤسسات التعليمية المختلفة ببذل اقصى الجهد لتعريب التعليم والافادة من المعاجم العلمية التي ينتجها في مجالات العلوم الطبيعية والحيوية والاساسية وما ذلك كله إلا لون من الوان الحفاظ على اللغة لكونها صورة الهوية. واذا سرنا مع الادب العربي في عصوره الحديثة وتابعنا ما يترجم سنويا من اعمال الادباء العرب الى اللغات الاخرى للمسنا تطورا ملحوظا للدراسات المهتمة بالادب المقارن, والتي تعكس من خلال ترجمة النصوص الروائية بصفة خاصة انماط حياة المجتمعات الاخرى فتكون الذاتية الثقافية التي تعكسها رواية ما, معبرة عن حضارة وتراث وواقع الامة التي انتجت فيها تلك الرواية. وقد عني المفكر الانجليزي تيري ايجلتون بهذه الظاهرة واعتبر ظهور اعمال لادباء من العالم الثالث المتحدث بالانجليزية ممن لا يحمل اصحابه الهوية البريطانية مأرقا حقيقيا. وفي وصفه للمأزق الثقافي الذي نشأ في انجلترا اثر ظهور اجيال جديدة من متحدثي الانجليزية دون الانتماء للهوية البريطانية, بين لنا تيري كيف تحول البحث الاكاديمي المعني بـ (الدراسات الانجليزية) الى (ادب العالم الثالث المكتوب بالانجليزية) الى ان صار يطلق عليه (ادب الكومنولث) . وقد ادى الاحساس باتساع مفهوم الادب المكتوب بلغة واحدة ويعكس ذاتيات ثقافية متنوعة بإيجلتون الى الاعتقاد في امكانية تحول الادب الى لغة عالمية مشتركة فهو بمثابة وحدة سياسية تتيح للجميع حقا متساويا في المشاركة مثلما يشترك المواطنون في تأسيس الدولة على مبدأ المساواة. وانطلاقا من هذا المبدأ فإن مناهج اللغة العربية التي تدرس في مدارسنا يجب ان تحمل عدة رسائل في آن واحد: الاولى: ان توطد العلاقة بين المتعلمين والخصوصية الثقافية لمجتمعاتهم. الثانية: ان يتم تدريسها تدريسا فعالا جذابا يقوي انتماء دارسيها اليها. الثالثة: ان تتضمن تلك المناهج قدرا من المعرفة بقضايا العولمة والهوية لما لذلك من اهمية في ربط المتعلم ببيئته وقومه. علاقة التاريخ بالذاتية الثقافية ولا يقل خطر العولمة على التاريخ عن خطرها على اللغة, بل ان التاريخ عند اي شعب من الشعوب قد يكتسب قداسة تفوق قداسة اللغة, فعلى حين يفرط الانسان المصري في لغته القومية ويكتب اسماء المحال التجارية باللغة الانجليزية, نجده يرفض بشدة ان يزور تاريخه, او تهان رموزه الوطنية او ينسب اليه او الى احد زعمائه ما يرى فيه مساسا بسيادته وشموخه, ولذلك يستشعر المصريون حاليا خطر العولمة على تاريخ الامة العربية جمعاء. فبعد ان انتهت الامبريالية الامريكية الصهيونية من اسقاط المعسكر الاشتراكي العالمي وتحويل دوله الداعمة في حينها لبلدان العالم الثالث الى مزاحمة لهذه البلدان في التسول على ابواب المنظمات الاقتصادية الدولية. اصبحت الامبريالية الامريكية الصهيونية متفرغة للعالمين العربي والاسلامي كليا, بالتصدي لأية عملية تنموية واجهاضها في اي منهما. وبدلا من ان يكلف الامبرياليون الصهاينة انفسهم العناء القتالي في هذا البلد او ذاك فإنهم يستعدون بعضهم على البعض الآخر في هذه البلدان, ويقومون بتشجيع المنظمات الارهابية المتطرفة المتصارعة فيما بينها او مع حكوماتها او ضد شعوبها, ويمدونها بكل انواع التمويل والتسليح والتدمير والتخريب والتخلف. كل شيء بثمنه المضاعف عشرات المرات وعلى الشعوب المستضعفة ان تدفع الثمن اضعافا مضاعفة سواء من ابنائها الابرياء او ثمنا للأسلحة التي اشتراها المتحاربون منها حتما بعد اضافة الفوائد الربوية الفاحشة عليها عدة مرات وكل هذا يؤخر مسيرة التنمية في هذه البلدان عشرات السنين وربما القرون. وشواهد التاريخ تدل على مواقف حاسمة في الدفاع عن الذاتية الثقافية ضد موجات الغزو الفكري والثقافي وتعد فرنسا رائدة في هذا الميدان. فقد اثار التدفق الاعلامي والثقافي القادم من الولايات المتحدة الامريكية قلق فرنسا. فقد علق شارل ألبير ميشاليه على ظاهرة التدفق الاعلامي الامريكي فرأى انها من اخطر الظواهر تهديدا للأمن الثقافي والايديولوجي والوحدة والهوية القومية داخل اليوم الوطني للدولة. وحين ارست اوروبا معاهدة ماستريخت ضمن مسيرة البناء الاوروبي الموحد, اجري استفتاء على تلك المعاهدة التي تدعم الوحدة الاوروبية في 20 يوليو 1992 ووفق عليها. ولكن ألين كوتا Alain Kotta اصدر كتابا عنوانه (من اجل اوروبا: ضد ماستريخت) التي رأى فيها ـ شأن كل اليسار الفرنسي خطرا على السيادة الفرنسية وتخوفا من الهيمنة الالمانية. ان اي تعاون دولي بريء من الهوى تتقبله المجتمعات بروح السماحة ما دام قائما على التسامح واحترام الثقافات اما العولمة بمفهومها الامريكي المعاصر فإنها لا تمثل نمطا من انماط التعاون الدولي, بقدر ما تمثل هيمنة القوة وغطرسة الكبرياء, وغرور الثروة وهي بهذه الاسلحة ومن منطلق عقدة النقص التي يحس بها الامريكيون من جهة حداثة دولتهم وكونها بلا تاريخ عريق, تحاول ان تنتقص اقدار الدول ذات التاريخية العريقة. مما يضاعف العبء على مناهج التاريخ في الدول المستهلكة للثقافة الامريكية بنوع خاص. عميد كلية التربية ـ مصر من كتاب (البيان)